التمويل الأمريكي للأونروا ...الغزو الناعم

  • palestine_economy
  • palestine_economy
  • طباعة الصفحة

تصرف الأونروا 80% من موازنتها على مدفوعات الرواتب والأجور والتشغيل

كتب: أ.أمين فايق أبوعيشة

*   محاضر في كلية العلوم الإدارية والمالية بجامعة الإسراء – غزة

يعد التمويل -وبشكل خاص- التمويل الدولي سواء كان هذا التمويل موجهاً للحكومات أو للمؤسسات أحد أبرز وأهم صيغ ومرتكزات خطط العمل والتشغيل والأنفاق لهذه الدول أوالمؤسسات، فقديماً وكما هو معروف للجميع كان الغزو هو أفضل الوسائل والأساليب الإستعمارية لإنجاز التبعية والسيطرة والضم، لكن حقيقة الأمر اليوم إختلفت كثيراً من ألفه إلى يائه، ففي نظري ونظر الغير لم تعد القوة هي أفضل الحلول لغرض السيطرة والأحتلال على الشعوب، فالغزو الناعم اليوم بات هو المسيطر ببساطة لأنه يعني أن المؤسسات هي البديل الأفضل بدلاً عن الجيوش وأن أداة التمويل في شكل التبرعات أوالمنح هي البديل الأنسب والأكفء عن المعارك والحروب....على إعتبار أن التمويل في أقصر وأوجز تعريفاته هو: التزويد بالمال لجهة ما لأقرار أمر ما من قبل المزود بالتمويل للمستهدف به،فتاريخياً وعلى مدار قرابة السبعون عاماً منذ تأسيس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطنيين (الأونروا)  في الثامن من مايو/ أيار من العام 1949،  وبدء إعمالها فعليلاً في الأول من مايو / أيار من العام 1950، عانت وتعرضت هذه الوكالة مراراً وتكراراً من توالي الشح المالي وعجوزات التبرعات المالية الدولية والمقدمة من قبل أكثر من 60 دولة.  فغير ذي مرة،  مست الخنوقات والعجوزات المالية قواعد البرامج التشغيلية للأونروا.

 وبنظرة سريعة لما تقدمة الأونروا، فإنها تقدم خدماتها لأكثر من 5.7 مليون لاجيء فلسطيني في خمس مناطق هي (قطاع غزة، الضفة الغربية والقدس ، لبنان، الأردن، سوريا). لقد كانت هذه الأزمات السابقة في عدد من الحالات قاسية ومؤلمة للاجيء الفلسطيني خصوصاً حين أثر شح التبرعات الدولية ليس فقط على القطاعات الخدماتية للأونروا بل ضرب عمق برنامجها المتعلق بالطواريء وتحديداً أكثر في قطاع غزة وسوريا. إن المتفحص في أمر التبرعات الدولية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطنيين يجد أن مليارات الدولارات تم ضخها لجسد الأونروا خلال السنوات الماضية من عمرها.

لكن المفأجاة أن 80% من الموازنة العامة التقديرية والفعلية للأونروا تنفق على دفع فاتورة الرواتب والأجوروالتشغيل لأكثر من 30000 موظف محلي وإقليمي ودولي يعملون بها،وأن 20% من أموالها فقط تستخدم لأغراض برامجها الأغاثية. فوفقاً لآخر موازنة عامة للأنروا يتبين أن حجم هذه الموازنة يقترب من مليار و300 مليون دولار أمريكي خلال العام 2017، يُدفع أكثر من 65% منها من قبل العشر الكبار(المساهمون أو المتبرعون الأساسيون)، فالولايات المتحدة الأمريكية تتربع على عرش التبرعات المالية وتحتل المرتبة الأولي بالتبرعات وبقيمة تتجاوز 364 مليون دولار أمريكي ، يتبعها كل من الإتحاد الأوروبي 143 مليون دولار أمريكي، ومن ثم ألمانيا 76 مليون دولار أمريكي، تليها السويد 61 مليون دولار أمريكي ، وتتبعها المملكة المتحدة 60 مليون دولار أمريكي، ثم المملكة العربية السعودية 51 ملوين دولار أمريكي،اليابان 43 مليون دولار أمريكي، السويد 27 مليون دولار أمريكي، بينما تساهم النرويج بمبلغ 26 مليون دولار أمريكي وتحتل هولندا المرتبة العاشرة بحوالي20 مليون دولار أمريكي. إضافة لمساهمة أكثر من أربعين دولة ومؤسسة وعدد من المتبرعين الأخرين ...إن هذه الأموال حقيقة هي ملك لأكثر من 65% من تعداد السكان في قطاع غزة وملك لأكثر من 40% من عدد سكان الضفة الغربية بل هي ملك لملايين اللاجئين حول العالم .

صحيح أن الدول آنفة الذكر وغيرها من الدول الأخرى تشاركان وتساهمان في ضخ الموازنة العامة للأنروا، لكن الذي يجب أن تعرفه الأنروا واللاجيء الفلسطيني أن هذه الأموال والتبرعات الطوعية ليست مِنة من أحد. هذا الأمر يجب أن تعرفه أمريكا وإدارتها وحليفتها في الشرق الأوسط (إسرائيل) فحين تقرصن أمريكا على الأونروا والشعب الفلسطيني لأرضاخة وإذلالة وتضع خططها المحكمة لتخفيض وتقليص أموال تبرعاتها بنسبة 50% فهي دون شك وريبة تمارس أنواع متعددة من همجيتها وعنصريتها وبحد أدني تمارس الإبتزاز بكل أشكاله. إن هذه التبرعات هي حق وفرض للشعب الفلسطيني كفلته الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بشأن رعاية اللاجئين وحفظ حقوقهم....ولضبط الأمور من قبل القائمين على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) وتحقياً للاستدامة بالعمل وتقديم الخدمات دون عائق وحداً من  القرصنة والإبتزاز الأمريكي على تبرعات الأنروا ننصح إدارتها بما يلي:

1.ضرورة البحث من قبل الأونروا عن مصادر جديدة للتمكين المالي.

2.تقنيين الأنفاق المالي غير اللازم والبذخ غير المحسوب.

3. العمل بشكل جاد على تحديد سقوف عليا لسلم رواتب كبار الموظفين والعاملين المحليين والأقليميين والدوليين، فلا يعقل أن تصرف الأونروا 80% من موازنتها على مدفوعات الرواتب والأجور والتشغيل .

4. العمل على تخفيض سن التقاعد القسري من 62 عام إلى 60عاماً للعاملين وذلك لتوفير فرص عمل للشباب العاطلين عن العمل، فاستمرار سن العمل حتي 62عاماً يعني أن هنالك إنتهاك صارخ لحقوق الشباب في العمل، كما أنه يعدم تكافؤ الفرص والتجديد.

5. اعتماد قدراً عالياً من الشفافية والنزاهة والمساءلة والمحاسبة.

6. ضروروة إقرار الأونروا لخطة تشغيل وإنقاذ شاملة تركز على إعتماد سياسات تقشفية مستدامة (ليست حسب الحاجة والطلب)، وذلك من خلال البعد عن مساس تلك السياسات التقشفية يالخدمات بحيث لا تضر باللاجيء الفلسطيني أو الخريج الجامعي الباحث عن العمل أو ذوالأحتياجات الخاصة والبعد عن تقليص خدمات التعليم والصحة والتركيز على شد الأحزمة في البرامج الباذخة والمترفة، لأن الأصل والأجدر ألا تتكلم الوكالة في تقليص الخدمات والبرامج الأغاثية بل يجب أن تتحدث عن تقليص البدلات والإمتيازات التي تقدم لكبار العاملين بها والتى تعطى وتمنح دون رقيب ودون حسيب.

وفي الختام لقد دفع اللاجىء الفلسطيني ثمن الهجرة دماً وما زال ينزف حتى الآن، فالتبرعات الأمريكية للاجىء لم تقدم له ترفاً ...والتمويل الأمريكي ليس بمعجزة لهذا اللاجيء ...لكن الذي يعرفه اللاجىء وأعرفه أنا هو ,..أن اللاجىء الفلسطيني ليس بعاجز يا أمريكا ...