الشيكل تحت الضغط… لكن الأسس الاقتصادية ما زالت قوية

بوابة اقتصاد فلسطين
ارتفع الدولار مقابل الشيكل إلى مستوى 2.97 شيكل، مقارنة بسعر صرفه يوم الجمعة الماضي الذي بلغ 2.908 شيكل، فيما صعد اليورو إلى 3.42 شيكل بعد أن كان عند مستوى 3.38 شيكل. وعلى الصعيد العالمي، تراجع الدولار بنسبة 0.3% أمام سلة من ست عملات رئيسية ليصل إلى مستوى 99.71 نقطة.
ونقلت صحيفة كالكليست عن أور بوريا، رئيس مجلس إدارة شركة بوريا للتمويل، قوله إن التداولات في الأسواق ستبدأ هذا الصباح وسط تأثير عاملين رئيسيين؛ الأول يتمثل في التصعيد الأمني بعد الهجوم الصاروخي الإيراني على إسرائيل، والثاني يتمثل في الانخفاضات الحادة التي شهدتها وول ستريت في نهاية الأسبوع، لا سيما في قطاع أشباه الموصلات. وأوضح أن هذه التراجعات في الأسواق الأمريكية جاءت في أعقاب تقرير التوظيف الأمريكي الذي جاء أقوى من المتوقع، إضافة إلى نتائج شركة “برودكوم”، وهو ما أعاد إشعال النقاش مجدداً حول بيئة أسعار الفائدة وتقييمات أسهم شركات التكنولوجيا.
وأضاف بوريا أن النظر إلى انخفاضات الأسواق يجب أن يتم في سياقها الصحيح، موضحاً أن الأسواق الأمريكية سجلت ارتفاعاً حاداً ومستمرًا لمدة ثمانية أسابيع متتالية، مدفوعاً بشكل أساسي بأسهم شركات التكنولوجيا، وخاصة شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية. وبالتالي، فإن عمليات البيع الأخيرة لا تُعد استثنائية، بل تمثل تصحيحاً طبيعياً وضرورياً بعد موجة صعود قوية وسريعة.
وفي ما يتعلق بالسياسة النقدية الأمريكية، رأى بوريا أنه من الصعب حالياً توقع عودة الاحتياطي الفيدرالي إلى سياسة رفع أسعار الفائدة في المستقبل القريب، مشيراً إلى أن أي سيناريو لتباطؤ النمو الاقتصادي أو حدوث تصحيح كبير في أسواق الأسهم من شأنه أن يقلل من احتمالات اتخاذ مثل هذه الخطوة.
وتُظهر المعطيات أن هذه التطورات تأتي ضمن واحدة من أكثر الأسابيع تقلباً في سوق الصرف الأجنبي المحلي خلال السنوات الأخيرة، حيث أدى مزيج من التوترات الجيوسياسية، إلى جانب تحركات الأسواق العالمية، وتصريحات محافظ بنك إسرائيل، إلى تراجع الشيكل بأكثر من 5% مقابل العملات الرئيسية خلال فترة قصيرة نسبياً. ويرى محللون أن هذا الانخفاض يُعد تصحيحاً حاداً، لكنه متوقع بعد فترة طويلة من الارتفاعات القوية وغير المعتادة للعملة الإسرائيلية.
وفي السياق الأساسي للاقتصاد الكلي، يؤكد محللون أن الصورة الاقتصادية الجوهرية لم تتغير بشكل كبير، إذ ما زالت هناك عوامل داعمة لقوة الشيكل على المدى الطويل، تشمل فائض الحساب الجاري، وقوة قطاع التكنولوجيا المتقدمة، وحجم الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب تحسن مستمر في البيئة الاقتصادية الكلية. وبناءً على ذلك، يعتبر البعض أن أي ارتفاعات حادة في أسعار صرف العملات الأجنبية قد تمثل فرصاً لإعادة التمركز في الأسواق أو زيادة الانكشاف على العملة المحلية.
وفي سياق متصل، أشار تقرير اقتصادي إسرائيلي إلى أن جزءاً من التحركات الأخيرة في سوق الصرف يرتبط أيضاً بالتفاعل مع التطورات الأمنية الإقليمية، إضافة إلى رد فعل الأسواق على البيانات الاقتصادية الأمريكية، خصوصاً تقرير الوظائف الذي فاجأ الأسواق بقوته.
وتشير التقديرات إلى أن تقرير الوظائف الأمريكي، الذي أظهر إضافة 172 ألف وظيفة، ساهم في زيادة التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يبقي على سياسة التشديد النقدي لفترة أطول مما كان متوقعاً سابقاً، وهو ما انعكس على أداء الدولار في الأسواق العالمية، وبالتالي على حركة العملات في الأسواق المحلية.
وقال جوناس جولترمان، كبير الاقتصاديين في أسواق المال في “كابيتال إيكونوميكس”، إن تقرير التوظيف الأمريكي يعكس استمرار قوة سوق العمل في الولايات المتحدة رغم الضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة. وأوضح أن هذا الأداء يجعل من تشديد السياسة النقدية من قبل الاحتياطي الفيدرالي لاحقاً هذا العام احتمالاً قائماً، مرجحاً إمكانية رفع الفائدة مرتين إضافيتين بمقدار 0.25 نقطة مئوية لكل مرة، في حال استمرار الضغوط التضخمية.
وأضاف أن الأسواق بدأت بالفعل بتسعير احتمالات رفع الفائدة تدريجياً قبل صدور التقرير، في ظل المخاوف من أن تؤدي أزمة الطاقة العالمية المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية إلى دفع التضخم نحو الارتفاع. ووفقاً لأداة “FedWatch” التابعة لبورصة شيكاغو التجارية، فإن الأسواق تسعر حالياً احتمالاً يتجاوز 70% لرفع أسعار الفائدة في ديسمبر، مقارنة بنحو 45% قبل أسبوع واحد فقط.
وفي السياق السياسي المرتبط بالأسواق، نقلت تقارير عن تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أشار فيها إلى أنه قد يطلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدم الرد الفوري على التصعيد الأخير، في محاولة لاحتواء الأزمة وتجنب توسعها. وتشير هذه المعطيات إلى أن مسار التهدئة أو التصعيد سيكون له تأثير مباشر على حركة الأسواق العالمية، خصوصاً أسواق الطاقة.
كما لفت محللون إلى أن سوق الأسهم الإسرائيلي يواجه تحدياً مزدوجاً؛ الأول يتمثل في عدم تفاعله الكامل حتى الآن مع الانخفاضات الحادة في وول ستريت، خاصة في مؤشر ناسداك، بسبب إغلاق السوق المحلي خلال عطلة نهاية الأسبوع، والثاني يتمثل في التفاعل المتوقع مع التطورات الأمنية الأخيرة خلال جلسات التداول المقبلة.
ويرى بعض المحللين أن السوق في فترات سابقة أظهر قدرة على تجاهل موجات التصعيد الأمني واعتبارها مؤقتة، قبل أن يعود سريعاً إلى المسار الصاعد، إلا أن هذا السيناريو يبقى مفتوحاً أيضاً في المرحلة الحالية، خصوصاً في حال اتجهت الأحداث نحو الاحتواء.
وفي هذا الإطار، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه يتوقع توقيع اتفاق مع إيران خلال يومين أو ثلاثة، وهو ما قد يساهم في تهدئة الأسواق في حال تحقق، مع احتمال حدوث تذبذبات أولية قبل استقرار الاتجاه العام.
وعلى صعيد سوق الصرف الأجنبي، تشير التداولات المتأخرة إلى أن الشيكل تعرض لضغوط إضافية بعد تحديد سعر الصرف الرسمي يوم الجمعة، مدفوعاً بارتفاع الدولار عالمياً عقب صدور بيانات التوظيف الأمريكية، والتي فاجأت الأسواق بقوتها ورفعت توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول.
كما يرى خبراء في سوق العملات أن استمرار ضعف الشيكل قد يؤدي إلى تخفيف الضغوط على بنك إسرائيل فيما يتعلق بخفض أسعار الفائدة، أو حتى دفعه إلى مزيد من التدخل في سوق العملات الأجنبية، كما حدث في فترات سابقة، سواء عبر شراء العملات أو عبر أدوات نقدية أخرى.
وقال يوسي فريمان، الرئيس التنفيذي لشركة “فريكو” لإدارة المخاطر والتمويل والاستثمارات، إن الإجراءات الأخيرة التي اتخذها بنك إسرائيل، بما في ذلك خفض أسعار الفائدة وشراء الدولار، إلى جانب الاتجاه العالمي لارتفاع الدولار مقابل العملات الرئيسية، ساهمت في زيادة الطلب على الدولار وتراجع قيمة الشيكل خلال الفترة الماضية.
وأضاف أن ضعف أسواق الأسهم الأمريكية، وخاصة قطاع التكنولوجيا، ساهم أيضاً في زيادة الطلب المؤسسي على الدولار كأداة تحوط، ما انعكس على أسعار الصرف في السوق المحلية.
وأشار فريمان إلى أن التطورات الأمنية الأخيرة، إلى جانب بيانات التوظيف الأمريكية القوية والتوقعات بارتفاع الفائدة لاحقاً، كلها عوامل تدعم استمرار الطلب على الدولار واحتمال تراجع الشيكل باتجاه مستوى 3 شواكل للدولار.
وفي المقابل، حذّر من أن هذا الانخفاض السريع في قيمة العملة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة، قد يحد من قدرة بنك إسرائيل ووزارة المالية على تبني سياسات توسعية أو تخفيضات إضافية في أسعار الفائدة.
من جهتها، قالت الدكتورة بيلا باردا بركات، المعلقة الاقتصادية والجيوسياسية، إن ضعف الشيكل لا يمكن اعتباره مجرد رد فعل لحظي على الأخبار، بل هو نتيجة “تفكيك مراكز مالية متراكمة” في الأسواق.
وأوضحت أن المؤسسات المالية على مدى فترة طويلة قامت ببناء تحوطات واسعة على الأصول الدولارية، بما في ذلك المحافظ التقاعدية والاستثمارات في قطاع التكنولوجيا المتقدمة. ومع ارتفاع الشيكل خلال فترات سابقة، كانت كل زيادة في قيمته تولّد أرباحاً إضافية لمحافظ التحوط، ما استدعى توسيع عمليات التحوط بشكل متزايد.
وأضافت أنه مع تسجيل قفزة تقارب 5% في فترة قصيرة، أصبحت تلك المحافظ غير مربحة وفق نماذج إدارة المخاطر، ما دفع المؤسسات إلى إعادة تموضع سريعة تتطلب شراء الدولار بشكل مكثف، وهو ما زاد الضغط على الشيكل.
وأكدت أن ما يحدث لا يرتبط فقط بالعوامل الاقتصادية التقليدية، بل هو “تسعير لوضع جيوسياسي واقتصادي جديد”، حيث تنتقل الأسواق من فرضية “المخاطر المغلقة” إلى فرضية صراع مفتوح طويل الأمد، وهو ما يضيف علاوة مخاطر هيكلية على العملة.
وأضافت أن هذا التحول يعني أن حتى في حال توقف التصعيد العسكري، فإن الأسواق قد لا تعود بالضرورة إلى مستويات ما قبل الأزمة، لأن التسعير الجديد يعكس تغييراً في الفرضيات الأساسية وليس مجرد حدث عابر.
وختمت بأن حركة الشيكل الحالية تمثل انتقالاً في نمط التسعير أكثر من كونها استجابة آنية، وأن محفظة التحوط لا تتفاعل مع الأخبار بقدر ما تتفاعل مع إعادة تسعير المخاطر داخل النظام المالي نفسه.