الرئيسية » سياسي » آخر الأخبار »
 
21 حزيران 2026

حساب الكلفة العالمية للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران

مترجم- بوابة اقتصاد فلسطين

من آلاف الأرواح التي فُقدت إلى الصدمة الاقتصادية التي يُرجح أن تدفع ملايين الأشخاص إلى الفقر، يدفع العالم ثمناً باهظاً.

يصعب العثور على إنسان على وجه الأرض لم يتأثر بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. فقد قُتل عدة آلاف من الأشخاص. ويدفع ملايين آخرون يومياً أسعاراً أعلى للغذاء أو الوقود، فيما يلتهم التضخم القيمة الحقيقية لدخولهم.

وبالنسبة لكثيرين، لم تصل الفاتورة النهائية بعد، لكنها ستأتي في نهاية المطاف. وسيدفعون ثمن الضرر طويل الأمد الذي يسببه أكبر تهديد للاقتصاد العالمي، وهو حالة عدم اليقين.

يصعب قياس عدم اليقين، لكن إحدى الطرق تتمثل في تتبع المخاطر الجيوسياسية التي تعطل الاستثمار والتوظيف. وقد وضع اقتصاديّا الاحتياطي الفيدرالي الأميركي داريو كالدارا وماتيو ياكوفييلو مؤشراً يتتبع التقارير المتعلقة بالتوترات العالمية. ويُظهر هذا المؤشر أن الحرب على إيران كانت أكثر زعزعة للاستقرار من جائحة كوفيد 19، لكنها تعادل في تأثيرها غزو أوكرانيا عام 2022 أو غزو العراق عام 2003.

فكيف يمكن للعالم أن يحسب كلفة هذه الحرب؟ بعض التكاليف يسهل حسابها أكثر من غيرها، مثل فواتير الصواريخ أرض جو التي تبلغ تكلفة الواحد منها مئات آلاف الدولارات. أما تكاليف أخرى فيصعب قياسها، ومنها الأضرار التي لحقت بالمستشفيات وشبكات الكهرباء في إيران ولبنان. وهناك أمور لا يمكن تقدير قيمتها إطلاقاً، مثل الأرواح التي أُزهقت، بما في ذلك 120 تلميذاً في المرحلة الابتدائية قُتلوا في إيران خلال اليوم الأول من الحرب.

وهناك أيضاً تكاليف افتراضية. فقد تناول مسؤول رفيع في الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية النزاع من زاوية كلفة الفرصة البديلة، مشيراً إلى أن ملياري دولار، أي نحو 1.5 مليار جنيه إسترليني، تُنفق يومياً على العمليات العسكرية، كان يمكن أن تغطي مساعدات منقذة للحياة لنحو 87 مليون شخص.

وماذا عن المستفيدين من هذه الحرب، شركات النفط والمساهمين في شركات تصنيع الأسلحة؟

فيما يلي بعض الطرق التي جرى من خلالها تقييم آثار الحرب:

الأرواح المفقودة

استهدفت غالبية عمليات القتل الإيرانيين واللبنانيين.

في إيران، أسفرت عمليات القصف الأميركية والإسرائيلية عن مقتل أكثر من 3300 شخص وإصابة أكثر من عشرة أضعاف هذا العدد، وفقاً للسلطات الإيرانية. كما دُمّرت 20 مدرسة، وتضررت 240 منشأة صحية وطبية. وتعرضت شبكات المياه للتدمير، كما تضررت مواقع ثقافية، من بينها خمسة مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي و54 متحفاً.

وفتحت إسرائيل جبهة ثانية للحرب عندما غزت جارتها الشمالية لبنان، حيث تخوض مواجهة مع جماعة حزب الله المتحالفة مع إيران. وقد أصبحت هذه الحرب داخل الحرب الجزء الأكثر دموية في النزاع الأوسع، إذ أسفرت الهجمات الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 3700 شخص، بحسب السلطات اللبنانية، من بينهم نساء وأطفال وعاملون في القطاع الطبي. كما أدى القصف الإسرائيلي الواسع للمناطق المدنية إلى تهجير أكثر من مليون لبناني، أي ما يعادل نحو خمس سكان البلاد.

وقُتل أكثر من 100 شخص في العراق حيث تنشط جماعات متحالفة مع إيران، فيما قُتل نحو 50 شخصاً في إسرائيل. ومنذ بدء الحرب على إيران في 28 شباط، لقي ما لا يقل عن 15 عسكرياً أميركياً مصرعهم، وتعرضت القواعد الأميركية في أنحاء المنطقة لأضرار كبيرة.

كما تعرضت دول الخليج، بما فيها الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت والبحرين وسلطنة عُمان، لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ إيرانية، أسفرت عن مقتل مدنيين وإلحاق أضرار بفنادق ومطارات ومنشآت حيوية للنفط والغاز.

ولم توقف القوات الإسرائيلية عمليات قتل الفلسطينيين خلال النزاع، بما في ذلك عشرات الضحايا في غزة والضفة الغربية، ما يضاف إلى أكثر من 70 ألف قتيل في فلسطين منذ بدء حرب غزة عام 2023.

تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي

لسنوات طويلة، ضغطت إسرائيل على الولايات المتحدة لقصف إيران، لكن أي إدارة في واشنطن لم توافق على ذلك، إذ اعتبرته خطوة عكسية وخشيت من الفوضى السياسية والأمنية والاقتصادية التي يشهدها العالم حالياً.

ولم يحقق النزاع تغييراً في النظام الإيراني أو إنهاء الطموحات النووية الإيرانية، بل ترك الحكومات والشركات في حالة ارتباك أمام تداعياته. وأُعلن عن اتفاق سلام، لكن بنوده وآلية تنفيذه لا تزال غير واضحة.

وفي تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في نيسان، قال صندوق النقد الدولي إن الاقتصاد العالمي كان يواجه أصلاً حالة من التوتر نتيجة "ارتفاع الحواجز التجارية واستمرار حالة عدم اليقين خلال العام الماضي"، في إشارة إلى الحرب الجمركية التي أطلقها دونالد ترامب.

وقام كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بخفض توقعاتهما للاقتصاد العالمي، ما يعكس أثر الحرب على إيران في إبطاء النمو.

ويقدّر اقتصاديون في بنك غولدمان ساكس أن النمو الاقتصادي الأميركي سيكون أقل بنصف نقطة مئوية نتيجة الحرب. وحتى إذا انتهت الحرب سريعاً، فإن الولايات المتحدة ستحتاج إلى سنوات لتسديد تكلفتها.

ولا ينكر حتى البيت الأبيض أن الحرب ستفرض كلفة ضخمة، لكنه حاول التقليل من حجم فاتورتها المحتملة. وقدّر مسؤول رفيع في البنتاغون في أيار الماضي أن كلفة النزاع بلغت آنذاك 29 مليار دولار.

وكتب جاستن وولفرز، أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة في جامعة ميشيغان، في صحيفة نيويورك تايمز، أنه عند احتساب جميع التداعيات الاقتصادية الكلية، فإن الأسرة الأميركية العادية ستدفع على الأرجح آلاف الدولارات، وربما عشرات الآلاف، ثمناً لهذه الحرب.

وقد بدأت بالفعل تظهر صدمات حادة في قطاع الأعمال. إذ أعلنت شركة تويوتا، أكبر شركة لصناعة السيارات في العالم، عن خسائر بقيمة 3 مليارات جنيه إسترليني نتيجة ارتفاع أسعار المكونات والمواد الخام وتراجع المبيعات.

تضاعف أسعار وقود الطائرات

كانت الوكالة الدولية للطاقة، وهي الهيئة العالمية المعنية بالطاقة التي تأسست في سبعينيات القرن الماضي استجابة لأزمة نفطية، واضحة في تقييمها لأثر النزاع على الوقود الأحفوري. وقالت: "الحرب في الشرق الأوسط تتسبب بأكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية".

ورداً على القصف الأميركي الإسرائيلي، أغلقت إيران مضيق هرمز، الممر المائي الذي كانت تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية.

وأمام الدعوات لإعادة فتح الممر المائي، مارس ترامب ضغوطاً على إيران لإنهاء الحصار، لكنه فشل، ثم قرر لاحقاً فرض حصاره الخاص، ما أدى إلى مزيد من ارتفاع أسعار الوقود وزيادة المخاوف من تضخم طويل الأمد.

وتضاعفت أسعار وقود الطائرات، وأُلغيت آلاف الرحلات الجوية. كما أعلنت إحدى شركات الطيران الأميركية إفلاسها بالفعل. وبينما أدى الاتفاق المعلن هذا الأسبوع إلى تراجع أسعار النفط، فإن الانخفاض اقتصر على بضعة دولارات فقط للبرميل.

ومع وصول أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، ارتفعت أرباح شركات الطاقة الكبرى بشكل كبير. كما تحقق شركات الصناعات الدفاعية أرباحاً من حالة عدم الاستقرار والاندفاع نحو شراء تقنيات التصدي للصواريخ. ويحتفل المساهمون أيضاً بقدرة أسواق الأسهم على الصمود، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى طفرة الذكاء الاصطناعي، رغم وجود مخاوف من أن المتداولين لا يأخذون مخاطر الاضطرابات طويلة الأمد بالحسبان بالشكل الكافي.

ومع ذلك، هناك أمل في أن تؤدي الأزمة على المدى الطويل إلى إعادة تشكيل نظام الطاقة العالمي، من خلال تسليط الضوء على الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري في الشرق الأوسط وتسريع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة.

أزمة جديدة وسط أزمة غلاء المعيشة

أدى إغلاق المضيق إلى خلق اختناق في الإمدادات، حيث امتدت اضطرابات الطاقة إلى صناعات الكيماويات والأسمدة، ثم إلى أسعار الغذاء، ما فاقم الخسائر التي تتحملها الدول الأشد فقراً في العالم.

وقد بدأت بالفعل تظهر مؤشرات على عبء الحرب على الأفراد والشركات حول العالم. ففي آسيا، القارة الأكثر سكاناً، أُغلقت مطاعم بسبب نقص غاز الطهي، وبدأت محطات الوقود بتقنين بيع المحروقات. وفي تايلاند، أوقفت بعض المعابد عمليات حرق الجثامين.

ولا تزال أكثر من 800 سفينة ونحو 20 ألفاً من أفراد الطواقم البحرية عالقة غرب الممر المائي الضيق.

وأدى الارتفاع الناتج في أسعار النفط إلى زيادة المخاوف من تضخم ضار. ففي الشهر الماضي، رفع البنك المركزي التركي توقعاته للتضخم بنهاية العام إلى 26% مقارنة مع 16% سابقاً.

وفي الوقت نفسه، انهارت صادرات السلع الحيوية، مثل الأسمدة الضرورية لإنتاج الغذاء.

وتقدّر الأمم المتحدة أن 32 مليون شخص قد ينزلقون إلى الفقر نتيجة هذه الحرب، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى تأثيرها على إمدادات الطاقة والأسمدة.

بقلم أوليفر هولمز- www.theguardian.com

 

مواضيع ذات صلة