الرئيسية » آخر الأخبار » الاخبار الرئيسية » في دائرة الضوء »
 
06 تموز 2026

مركز الابحاث الفلسطيني يطرح حزمة توصيات لمواجهة أزمة المقاصة

بوابة اقتصاد فلسطين

عقد مركز الأبحاث الفلسطيني اليوم طاولة مستديرة لمناقشة ورقة خلفية بعنوان "أزمة المقاصة: أزمة عابرة أم أزمة وجود؟"، بمشاركة نخبة من الخبراء الاقتصاديين والأكاديميين والصحفيين الاقتصاديين، في جلسة نقاشية معمّقة تناولت الأبعاد البنيوية لملف المقاصة وانعكاساته على استقرار المالية العامة الفلسطينية.

قدّم الباحث طارق عاشور الورقة التي شكّلت محور النقاش، مشيراً إلى أن المقاصة لا ينبغي التعامل معها كبند مالي عابر يُحتجز ويُفرج عنه، بل باعتبارها البنية التي تقوم عليها الموازنة العامة الفلسطينية، إذ تشكل ما بين 65 و68% من الإيرادات العامة وتكاد تعادل قيمتها إجمالي فاتورة الرواتب في القطاع العام.

وأوضح عاشور أن جذر الأزمة يعود إلى بروتوكول باريس الموقّع عام 1994، والذي تحوّل من إطار انتقالي مؤقت إلى سقف سيادي دائم يربط الاقتصاد الفلسطيني بالسياسة التجارية والنقدية الإسرائيلية، بما يحول دون استقلالية القرار الاقتصادي الفلسطيني.

كما لفت إلى وجود ما وصفه بـ"الأزمة الصامتة" المتمثلة في التسرب المالي المستمر حتى في أوقات انتظام التحويلات، مستشهداً بتقديرات الأونكتاد التي تشير إلى تسرب يقارب 306–310 ملايين دولار سنوياً عبر ست قنوات فقط، محذراً من أن الرقم الفعلي أكبر بكثير كونه لا يشمل خسائر السنيوريج وضريبة دخل العمال في إسرائيل والمستوطنات وغيرها من البنود غير المقيسة.

وتوقف الباحث عند العوامل الداخلية التي عمّقت الأزمة، ومنها تراجع القطاع الزراعي من نحو 35% من الناتج المحلي عشية عام 1967 إلى نحو 3% حالياً، وأسر التجارة (كملف اللحوم نموذجاً) بسلاسل التوريد الإسرائيلية، اضافة أهمية التركيز نحو تمويل القطاعات الانتاجيات.

وحذّر عاشور من أن الأزمة الراهنة (2025–2026) بلغت مستويات غير مسبوقة، مع احتجاز كامل للمقاصة منذ أيار 2025 وتراكم مبالغ محتجزة تقدر بـ 5 مليارات دولار مطلع 2026، وارتفاع الدين العام إلى نحو 90% من الناتج المحلي، وتفاقم معدلات الفقر إلى نحو 45%.

في ختام الورشة، خرج المشاركون بمجموعة من التوصيات العملية التي تحاول رسم مسار وسط بين "التشخيص البنيوي" الذي قدمته ورقة السياسات، و"إدارة الأزمة الطارئة" التي فرضها الواقع الراهن. وقد صيغت التوصيات وفق منطق قابلية التنفيذ، وتضمنت:

  • مأسسة الحوار النخبوي: بحيث يتولى مركز الأبحاث الفلسطيني استكمال تنظيم سلسلة ورش متخصصة ومتتابعة  تتناول تباعا المحاور الخمسة التي طرحتها الورقة، على أن تختتم بوثيقة سياسات موحدة ترفع لصانع القرار، بما يخرج التعامل مع الأزمة من ردود الفعل الآنية إلى مسار تفكيك منهجي متراكم.
  • التحول الرقمي كأولوية:مع الاخذ بعين الاعتبار خصوصية الحالة والسوق الفلسطيني: التسريع في رقمنة المدفوعات الحكومية والتجارية وتقليص التعامل النقدي، عبر إلزام الجهات الحكومية باستقبال مدفوعاتها إلكترونيا خلال عام، وتوسيع قبول المحافظ الرقمية لدى التجار، باعتبار ذلك آلية عملية لتخفيف أزمة السيولة الناجمة عن احتجاز الأموال، ومعالجة تكدس الشيكل، وتسهيل تدفق المعاملات التجارية محليا في آن واحد.
  • تعزيز الجباية المحلية: العمل الفوري على رفع كفاءة التحصيل الضريبي الذي لا يمر عبر إسرائيل (ضريبة الدخل، ضريبة الأملاك، الرسوم)، باعتماد هدف كمي معلن لزيادة حصة الإيرادات المحلية من إجمالي الإيراد العام سنويا، مع التركيز على توسيع القاعدة الضريبية بدل رفع المعدلات حماية للنشاط الاقتصادي المنهك، بما يسد جزءا من فجوة الموازنة ويقلص الارتهان المباشر لتحويلات المقاصة.
  • توظيف الأدوات القانونية الدولية: تشكيل لجان مشتركة بين وزارتي المالية والخارجية والهيئات المختصة والمؤسسات القانونية الأهلية، تتولى خلال ستة أشهر تحويل تقديرات "التسرب المالي الصامت" (خسائر السنيوريج، إيرادات إعادة التصدير، الجباية غير المحولة) من أرقام موثقة إلى مطالبة قانونية قابلة للتقاضي في المحافل الدولية، ومقابلة التشريع الإسرائيلي للمصادرة بتشريع فلسطيني يثبت الدين المستحق ويوقف تقادمه.
  • دعم التحركات الشعبية والمؤسساتية السلمية لإبقاء قضية احتجاز أموال المقاصة على أجندة الرأي العام المحلي والدولي.
  • إعادة توجيه السيولة المصرفية: قيام سلطة النقد بتطوير حزمة حوافز تنظيمية وضمانات لتقاسم المخاطر تدفع القطاع المصرفي نحو ابتكار أدوات تمويل طارئة تستند إلى ضمانات محلية بعيدا عن قنوات المراسلة الإسرائيلية، بما يضمن استمرار تدفق السلع الأساسية ويحول دون شلل السوق عند الاحتجاز المفاجئ.
  • الشراكة مع القطاع الخاص في إحلال الواردات: اعتبار القطاع الخاص شريكا كاملا في صياغة السياسات لا متلقيا لها، عبر إطلاق برنامج وطني لإحلال الواردات تحدد فيه سلع مستهدفة قابلة للإنتاج محليا خلال مدة محددة (الأعلاف، تربية المواشي، الصناعات الغذائية)، مقرونا بحوافز ضريبية وجمركية ونظام مشتريات حكومية يمنح الأفضلية للمنتج المحلي، بوصف ذلك مدخلا مباشرا لتقليص وعاء المقاصة والتخفيف من أثر إجراءات احتجازها.
  • إعطاء أولوية لمشاريع الطاقة المتجددة وفي مقدمتها الطاقة الشمسية، لتقليل فاتورة استيراد الطاقة وتعزيز الاستقلال الاقتصادي.
  • إعادة تقييم هيكل الإنفاق العام لتحقيق توازن بين النفقات الجارية والإنفاق التنموي، بما يحافظ على الاستقرار المالي والاجتماعي.
  • تعزيز القطاعات الإنتاجية وخاصة الزراعة والصناعة، وتقوية المنتج الوطني، لتقليل الواردات الإسرائيلية وخفض العجز التجاري.
  • إعادة توجيه الاستيراد عبر المعابر العربية: استهداف السلع التي تستورد عبر إسرائيل بطريق غير مباشر وإعادة توجيه القابل منها عبر الأردن ومصر، بما يحقق عائدا مزدوجا: استعادة الإيرادات الجمركية مباشرة دون المرور بآلية المقاصة، وتقليص وعائها في الوقت نفسه.
  • حسم السؤال التأسيسي للنموذج الاقتصادي: البدء بنقاش وطني جدي، تقوده مؤسسات البحث بالشراكة مع الحكومة والقطاع الخاص، ينطلق من الإجابة على سؤال: هل نريد اقتصاد دولة بمؤسساته وارتباطاته القائمة، أم اقتصادا مقاوما يعيد ترتيب الأولويات على قاعدة الصمود، أم أن بالإمكان العمل بنموذج مختلط يمزج بينهما وفق مراحل زمنية محددة؟ فغياب الإجابة عن هذا السؤال يبقي السياسات المالية والاستثمارية بلا بوصلة ناظمة.
  • تعظيم الناتج القومي على الناتج المحلي: تشجيع صندوق الاستثمار الفلسطيني على بناء شراكات استراتيجية خارج حدود الوطن في السلع الأساسية (النفط ومشتقاته، الاسمنت، الحبوب والمواد الأساسية الأخرى)، بحيث تتحول العوائد الخارجية إلى رافعة تعوض القيود المفروضة على الناتج المحلي وتقلص قدرة إسرائيل على التحكم بشريان المقاصة.
  • توظيف المقاصة المحتجزة كضمانة ائتمانية: التحرك الدبلوماسي والفني لحث الاتحاد الأوروبي على إصدار قروض ميسرة أو تسهيلات جسر لفلسطين بضمانة أموال المقاصة المحتجزة لدى إسرائيل، بوصفها دينا موثقا مستحق الأداء؛ فهذا المسار يوفر سيولة عاجلة للموازنة، ويحول الاحتجاز ذاته من ورقة ضغط إسرائيلية إلى أصل مالي قابل للتوظيف.
  • تنويع سلة العملات في المعاملات الرسمية: التفكير الجدي والمنهجي بتعزيز استخدام الدينار الأردني، بدءا بتحصيل إيرادات الطوابع والرسوم بالدينار، ودفع رواتب بعض الهيئات المستقلة به بديلا عن الشيكل، كمرحلة تجريبية تقيم نتائجها خلال عام قبل التوسع، بما يقلص الاعتماد على الشيكل ويعالج أزمة تكدسه ويستعيد جزءا من خسائر السنيوريج.
  • مؤشر قياس الانفكاك الاقتصادي: تصميم مؤشر وطني معلن يصدر بشكل نصف سنوي عن جهة مهنية مستقلة، يتتبع نسبة الاعتماد على المقاصة من الإيراد العام، ونسبة الواردات من إسرائيل وعبرها، ومستوى التقدم في إحلال الواردات، على أن يقرن بمسار تنازلي ملزم، ليكون النقطة المرجعية التي يقاس عليها التقدم ويحاسب عليها الأداء، فيتحول الانفكاك من شعار إلى هدف يدار.
  • بناء مخزون استراتيجي للسلع الحرجة: الشروع ببناء مخزون استراتيجي من الوقود والحبوب والأعلاف والسلع الأساسية يغطي فترة لا تقل عن ثلاثة أشهر.
مواضيع ذات صلة