من يقرر من يستحق؟ تحقيق حول عدالة توزيع المساعدات الغذائية في الضفة الغربية

اخلاص طمليه- بوابة اقتصاد فلسطين
"منذ أن نزحنا من المخيم، لم يعد لدينا بيت ولا مصدر للعيش؛ زوجي مصاب في قدمه ولا يستطيع العمل" تقولها السيدة وهي تنظر إلى طفلتها ذات الاحتياجات الخاصة، قبل أن تتابع بصوتٍ مثقل "لا بيت، ولا مصدر دخل، ولا حتى شعور بالأمان."
لا تنحصر معاناة الأسرة بالنزوح؛ فالزوج مصاب في قدمه، وهي تعاني ورماً في العمود الفقري، فيما ترعى طفلتها من ذوي الاحتياجات الخاصة والتي تحتاج إلى رعاية ومستلزمات يومية تفوق قدرتهم على تأمينها، إضافة إلى 3 أطفال آخرين.
"كنا ننتظر المساعدات مثل غيرنا، لكنها لم تأتِ" تقول، ثم تضيف "في رمضان لم نحصل على أي طرد غذائي أو مساعدات، وفي عيد الأضحى أيضاً لم يصلنا شيء." وسبب الاستبعاد، كما ترويه "أبلغتنا مرشدة مكتب التنمية أن النظام يُظهر أن لدينا راتب جريح، بينما هذا الراتب مقطوع منذ عشرة أشهر."
بهذه الكلمات تختصر إحدى السيدات النازحات من أحد مخيمات شمال الضفة الغربية واقع آلاف الأسر النازحة التي أصبحت تعتمد على التكايا والطرود الغذائية من الجمعيات ما استطاعت لتأمين احتياجاتها الأساسية، بعد أن فقدت مصادر دخلها ومكان اقامتها نتيجة الاقتحامات المتكررة للمخيمات والتهجير القسري وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
ومع اتساع رقعة الفقر والبطالة، وتزايد أعداد الأسر المحتاجة، برزت التكايا والجمعيات الخيرية بوصفها أحد مكونات منظومة الحماية الاجتماعية في الضفة الغربية، وتحديداً في شمال الضفة الغربية، وهي مدعومة بتبرعات محلية وخارجية ومساهمات من القطاع الخاص والمنظمات الدولية. وقد أسهم هذا التوسع في زيادة حجم الموارد المخصصة للمساعدات الغذائية، وجعلها شريانًا حيويًا لآلاف الأسر التي باتت تعتمد عليها بصورة شبه يومية.
غير أن تعدد الجهات القائمة على جمع الموارد وإدارتها وتوزيعها يفرض تحديات في ضمان إدارتها وفق مبادئ النزاهة والشفافية والمساءلة، بما يكفل وصولها إلى مستحقيها بعيدًا عن الواسطة أو المحاباة أو الازدواجية، ويحافظ في الوقت ذاته على ثقة المتبرعين ويصون المال المخصص للعمل الإنساني.
ينطلق هذا التحقيق من فرضية مفادها أن منظومة إدارة وتوزيع المساعدات الغذائية لدى بعض التكيات والجمعيات الخيرية قد تشهد فجوات في تطبيق مبادئ النزاهة والشفافية والمساءلة، تتمثل في ضبابية معايير الاستهداف، وتباين آليات الرقابة، وضعف إجراءات المساءلة، بما قد يفتح المجال لازدواجية الاستفادة أو المحاباة أو استبعاد بعض الأسر المستحقة من الحصول على المساعدات.
حجم قطاع الإغاثة
شهدت منظومة الحماية الاجتماعية في الضفة الغربية تحولًا ملحوظًا خلال العامين الأخيرين، في ظل تصاعد الأزمات الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وما رافق ذلك من زيادة اعتماد آلاف الأسر وخصوصاً النازحة في شمال الضفة على المساعدات الغذائية. وفي هذا السياق، تعتبر وزارة التنمية الاجتماعية الجهة الحكومية المسؤولة عن التنسيق والاشراف والرقابة على التدخلات الإغاثية مع الجمعيات الخيرية صاحبة الاختصاص. ووزارة الداخلية الجهة المسؤولة عن تسجيل جميع الجمعيات باختلاف اختصاصها واحالتها الى الوزارة ذات الاختصاص، أو الاشراف مباشرة على أعمال كما يحدث مع الجمعيات الأجنبية. ووزارة الأوقاف بصفتها الوزارة المسؤولة عن لجان الزكاة.
توضح د. هنادي براهمة، مدير عام دائرة مكافحة الفقر في وزارة التنمية الاجتماعية إلى أن منظومة الإغاثة تعتمد على شبكة واسعة من الشركاء تضم المؤسسات الرسمية، والجمعيات الخيرية، والمؤسسات الأهلية، إلى جانب القطاع الخاص والمنظمات الدولية، وحتى المتبرعين الأفراد ضمن جهود تستهدف الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة.
وتشير بيانات الموازنة العامة إلى أن الموازنة المخصصة لوزارة التنمية الاجتماعية بلغت للعام 2025 نحو 869 مليون شيكل، بما يشكل نحو 4.7% من إجمالي الموازنة العامة. وتنقسم إلى عدة بنود نذكر منها 6.2% للرواتب والأجور، وأكثر من 91% كنفقات تحويلية، خُصص للمساعدات الغذائية في الضفة الغربية مبلغ 122 مليون شيكل، يستهدف الوصول إلى نحو 41 ألف أسرة، بما يعادل قرابة 200 ألف مستفيد.[1]
ويكشف هذا الحجم من التمويل والتدخلات عن الأهمية المتزايدة لقطاع المساعدات الغذائية داخل منظومة الحماية الاجتماعية، خاصة مع استمرار الضغوط الاقتصادية واتساع دائرة الأسر المحتاجة. كما يعكس تعدد الجهات المانحة والمنفذة، التي تتوزع بين مؤسسات حكومية، وجمعيات خيرية، ولجان زكاة، وتكيات، ومنظمات دولية؛ تعقيد منظومة إدارة المساعدات، وما تتطلبه من تنسيق مؤسسي فعال، وآليات واضحة للحوكمة والرقابة.
كيف تُدار عملية اختيار المستفيدين
يؤكد أ. طه الإيراني، وكيل وزارة التنمية الاجتماعية، أن الوزارة تعتمد منظومة متكاملة لضمان عدالة توزيع المساعدات، تبدأ من تحديد الفئات المستحقة، وتمر بمطابقة قوائم المستفيدين مع قواعد البيانات الوطنية، وتنتهي بمتابعة تنفيذ عمليات التوزيع بالشراكة مع المؤسسات المنفذة.
ويبين الإيراني أن الجمعيات والمؤسسات الشريكة مطالبة بتزويد الوزارة بقوائم المستفيدين، بحيث تُراجع هذه القوائم للتأكد من انتماء المستفيدين إلى الفئات الأكثر هشاشة، كما أن الوزارة لا تقدم تمويلًا ماليًا مباشرًا للجمعيات، وإنما تقود قطاع الحماية الاجتماعية من خلال التخطيط، والتنسيق، وإدارة قواعد البيانات، والرقابة على تنفيذ البرامج، سواء نفذتها الوزارة مباشرة أو من خلال شركائها من الجمعيات الخيرية، والهيئات المحلية واللجان الشعبية. ويضيف أن كل برنامج إغاثي يسبقه تحديد واضح للفئة المستهدفة ومعايير الاستحقاق وآلية التنفيذ ضمن الخطط الاستراتيجية والتنفيذية للوزارة.
وتضيف براهمة أن السجل الوطني الاجتماعي يشكل الأداة الرئيسة التي تعتمد عليها الوزارة في تحديد الأسر المستهدفة، إذ يضم بيانات أكثر من 140 ألف أسرة. وتشير براهمة أن طلبات الأسر بعدة مراحل تبدأ بتقديم الطلب لدى المديريات أو المكاتب الفرعية، ثم إجراء زيارة اجتماعية ميدانية بواسطة الباحثين الاجتماعيين، تشمل استمارة تفصيلية تضم نحو 42 معياراً تتعلق بالدخل، وعدد أفراد الأسرة، وطبيعة السكن، ووجود كبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة، وغيرها من المؤشرات.
ولضمان نزاهة الإجراءات، تفصل الوزارة بين المهام أثناء اعتماد الاستهداف؛ فالباحث الاجتماعي الذي يجمع البيانات ليس نفسه الشخص الذي يعتمدها. كما تعتمد الوزارة نظامًا إلكترونيًا للربط مع عدد من المؤسسات الرسمية، بما يشمل معلومات الدخل، والأملاك، والأراضي، والمركبات، وبيانات الأحوال المدنية، بهدف تقليل الاعتماد على التدقيق اليدوي والحد من احتمالات الخطأ أو التدخل البشري بحسب براهمة.
وتؤكد براهمة أن اختيار المستفيدين من المساعدات الغذائية يتم وفق معايير تختلف باختلاف طبيعة كل تدخل والجهة الممولة له. كما تعتمد الوزارة بحسب براهمة على اتفاقيات لتبادل البيانات مع عدد من المنظمات الدولية، من بينها برنامج الأغذية العالمي (WFP) واليونيسف (UNICEF)، وغيرها. وذلك للتأكد من عدم حصول الأسرة على مساعدات مماثلة خلال الفترة الزمنية نفسها.
وخلف إجراءات تسجيل الجمعيات، تكشف شهادة مسؤول في إحدى المؤسسات الخيرية عن تغول واضح للأجهزة الأمنية في المساعدات الانسانية. حيث يؤكد أن خلفيات المفوضين بالتوقيع تخضع لفحص أمني، وإن جمعيات عدة أُغلقت أو مُنعت من الاستمرار بناءً على نتائجه. أما المؤسسات التي تستمر، بحسب شهادته، تُطالب أحياناً بإبقاء جزء من مساعداتها للتوزيع عبر منظومة الأجهزة الأمنية. وتثير هذه الإفادة شبهة نقل القرار بشأن المستفيدين من معايير الفقر والحاجة إلى دوائر النفوذ الأمني.
البوابة كأداة لتقليص الازدواجية
وفيما يتعلق بمنع الازدواجية وضمان العدالة في التوزيع، وضح أ. محمد سليم مدير عام الإدارة العامة للجمعيات في وزارة التنمية الاجتماعية أن البوابة الموحدة للمساعدات الاجتماعية إحدى أهم الأدوات التي تعتمد عليها وزارة التنمية الاجتماعية لتعزيز النزاهة والشفافية في إدارة المساعدات، والحد من تكرار الاستفادة من أكثر من جهة، من خلال توحيد بيانات الأسر المستفيدة وتحديد أولويات التدخلات وفق درجة الاحتياج.
وبحسب سليم، جرى الاتفاق مع الجمعيات ذات الاختصاص بتسجيل بيانات تدخلاتها. وتتيح البوابة للجمعيات الإطلاع، ضمن ضوابط تحمي كرامة المستفيدين وسرية بياناتهم، على قواعد بيانات المستفيدين المعتمدة لدى الوزارة، بما يشمل المساعدات التي حصلت عليها كل اسرة ومصدرها وتاريخ استلامها، كما تشكل سجلًا يوثق تدخلات كل جمعية على حدة. لكن رغم أهمية هذه الأداة، يشير سليم إلى أن أحد أبرز التحديات يتمثل في مدى التزام جميع الجمعيات بإدخال التدخلات بشكل منتظم. وتؤكد براهمة أن تنفيذ المساعدات في المحافظات يتم ضمن إطار من الشراكة مع المحافظات، والهيئات المحلية، والجمعيات الخيرية، واللجان الشعبية، من خلال مجالس التخطيط المشترك الموجودة في كل محافظة والتي تحدد أولويات.
وبحسب براهمة فإن جزءاً كبيراً من التدخلات الإغاثية لا يُنفذ مباشرة عبر الوزارة أو الحكومة، وإنما من خلال الجمعيات. ورغم أن عملية اختيار المستفيدين تعتمد على بيانات التنمية الاجتماعية، إلا أن الانطباع السائد لدى الأسر يكون بأن الجهة المنفذة هي صاحبة قرار التوزيع. وعند تنفيذ تدخل مماثل لاحقاً من قبل الوزارة، تُستبعد تلقائياً الأسر التي سبق أن حصلت على المساعدة خلال الفترة الزمنية ذاتها. ويؤدي ذلك إلى تزايد شكاوى وتظلمات بعض الأسر التي تعتقد أنها حُرمت من حقها.
وقد أفاد أحد النازحين بأن أسرته لم تتلقَّ أي مساعدة رسمية رغم تسجيلها لدى جمعيات عدة منذ بدء النزوح، وزيارة مؤسسات لمنزلها المهدّم، وتعبئة استمارات متكررة دون نتيجة أو تفسير. وأوضح أن ما يصل إلى الأسرة من مساعدات يأتي عبر أقاربها في المخيم، لا من الجهات التي سجلت بياناتها. فيما يؤكد العديد من المستفيدون أن المساعدات الغذائية لا يتم الإعلان عنها مسبقاً ولا يتم الإفصاح عن المعايير التي جرى توزيع المساعدة بناءً عليها. فيما اشتكى آخرون من وجود عدة عائلات دخلهم جيد، أو من نفس عائلة بعض أعضاء اللجان الشعبية يتم استهدافهم بشكل دوري في المساعدات.
إدارة الأزمات
ورغم وضوح هذه المنظومة من الناحية الإجرائية، إلا أن ذلك لم يحميها من حالة الارباك الشديد والفوضى في منظومة المساعدات الاغاثية في أوقات الأزمات الشديدة مثل الهجمة الإسرائيلية الشرسة على مخيمات الشمال حيث أشار أ. فواز حمزة مدير مديرية التنمية الاجتماعية في محافظة طولكرم أن المرحلة الأولى من النزوح صعبة جداً من ناحية ضبط المساعدات والجهات الشريكة والجهات المستحدثة، لأن جميع المؤسسات، سواء الحكومية أو الأهلية، إضافة إلى المبادرات الفردية والمجموعات المختلفة، كانت تعمل في الوقت نفسه دون وجود إطار منظم أو آلية موحدة لإدارة التدخلات. هذا الأمر خلق حالة من عدم الانضباط في البداية، وللتعامل مع هذه الحالة، تم مباشرة تشكيل لجنة الكرامة والإغاثة برئاسة محافظة طولكرم، وضمت في عضويتها عدداً كبيراً من الجهات الرسمية والشريكة، وتوجد لدى اللجنة المذكورة قاعدة بيانات لحوالي خمسة آلاف أسرة نازحة، وهذه البيانات موجودة لدى مديرية التنمية الاجتماعية، وكذلك لدى المحافظة ووكالة الأونروا.
كما أصبح بالإمكان تصنيف أوضاع الأسر النازحة بشكل أكثر دقة، مثل:
وقد سهّل وجود البلديات والمجالس القروية ولجان الخدمات الشعبية داخل اللجنة الوصول إلى بيانات دقيقة حول أعداد النازحين واحتياجاتهم.
من يراقب عمل الجمعيات؟
مع اتساع حجم المساعدات الغذائية وتعدد الجهات المنفذة، أصبحت منظومة الرقابة على الجمعيات تتداخل فيها وزارة التنمية الاجتماعية، ووزارة الداخلية – لم يتم الاستجابة لعقد مقابلة-وديوان الرقابة المالية والإدارية والمدققين الخارجيين على الجمعيات الخيرية، ومدققي الجهات المانحة، في محاولة لضمان سلامة إدارة الموارد ووصولها إلى مستحقيها.
ويؤكد سليم أن جميع الجمعيات الخيرية العاملة في فلسطين تخضع لقانون الجمعيات رقم (1) لعام 2000 والأنظمة الناظمة لعملها، كما يتوجب على كل جمعية عقد الاجتماع السنوي للهيئة العامة للمصادقة على التقريرين المالي والإداري عن السنة المالية المنتهية، على أن يتم ذلك قبل الثلاثين من نيسان من كل عام.
ويضيف أن الوزارة لا تقبل أي تقرير مالي أو إداري ما لم يكن مصادقًا عليه من الهيئة العامة خلال اجتماع رسمي، ويشير إلى أن انتهاء مدة مجلس إدارة الجمعية دون انتخاب مجلس إدارة جديد يعد أيضًا مخالفة قانونية. وفيما يتعلق بالرقابة المالية، يوضح سليم أن التقرير المالي لكل جمعية يجب أن يُعد من قبل مدقق حسابات قانوني معتمد من الهيئة العامة. إلا أنه وبالرغم من الممارسات الفضلى للرقابة على الجمعية يرى حمزة أن بعض الجمعيات تركز جزء من التمويل في المصاريف الإدارية للجمعية. ورأى نشطاء آخرون أن نسبة المصاريف النثرية المقتطعة من المنحة لدى بعض الجمعيات تكون كبيرة وغير متناسبة مع الهدف من التمويل.
وكأحد الأمثلة على المؤسسات الإغاثية التي توزع مساعدات شمال الضفة نفذت مجموعة وافا للتنمية وبناء القدرات خلال عام 2026 تدخلات إغاثية واسعة في مخيمات الشمال، تضمنت توزيع نحو 6000 قسيمة شرائية للمواد الغذائية، إلى جانب توزيع أعداد كبيرة من الطرود الغذائية، وتنفيذ مشروع الأضاحي بقيمة قاربت 300 ألف دولار، ويوضح أ. محيسن عطاونة المدير العام لمجموعة وافا أن الجمعيات تخضع لعدة مستويات من الرقابة والإفصاح، إذ تعد تقارير مالية وإدارية دورية تُرفع إلى وزارة الداخلية، إلى جانب خضوع المؤسسة لتدقيق مالي وإداري من ديوان الرقابة المالية والإدارية (انظر/ي الشكل رقم (1))، وتخضع لتدقيق خارجي من شركات محاسبة تعتمدها الجهات الممولة، إلى جانب وجود أنظمة رقابة وتدقيق داخلية خاصة بكل مؤسسة، إلى جانب الشراكة الدائمة مع وزارة التنمية والالتزام بقواعد البيانات من الوزارة.
الشكل (1): نموذج للتدقيق الخارجي من ديوان الرقابة المالية والادارية على الجمعيات الإغاثية
ويشكل ديوان الرقابة المالية والإدارية إحدى أبرز الجهات الرقابية الرسمية التي تضطلع بمتابعة أداء التي تدير المال العام. ويجري الديوان، ضمن خططه الرقابية السنوية، عمليات تدقيق مالي وإداري على عدد من هذه المؤسسات، بحيث تتغير الجهات المشمولة بالرقابة من عام إلى آخر وفق أولوياته وخططه.
ورغم ذلك أكد أ. فواز حمزة على رصد بعض حالات تضارب المصالح في اختيار الموردين المنفذين لبعض المشاريع الإغاثية وقد تم رفع ملاحظات للجمعية وللوزارة المختصة، وتخاطب الوزارة الجمعية بضرورة تصويب أوضاعها، وتم إحالة بعض الجمعيات لمكافحة الفساد. كما أن بالرغم من وجود لجنة الإغاثة والكرامة في طولكرم ومتابعتها الدقيقة للمساعدات لمنع الازدواجية والمحاباة في التوزيع إلا حدثت الكثير من التوزيعات الفردية، أو من خلال مؤسسات خيرية محلية أو أجنبية تعمل بشكل منفرد وأدى إلى ازدواجية في التوزيع أو كان هناك تساؤلات على استحقاق قوائم المستفيدين ومستوى المحاباة في اختيارها.
وتوضح تغريد جودة عضو في جمعية أمراض نزف الدم (الهيموفيليا) فيما يتعلق باختيار الموردين، فمن المفترض أن يتم ذلك من خلال مناقصات، لكن عمليًا لا تكون المنافسة متاحة للجميع بالقدر نفسه. نلاحظ أن بعض الجمعيات تتعامل باستمرار مع الموردين أنفسهم، ولا تفتح المجال لموردين آخرين للمنافسة.
وعن مدى تدخل الشخصيات النافذة في التوزيع تشير جودة إلى أنه في الحالات التي لا تحدد فيها الجمعية معايير دقيقة وصارمة للتوزيع يمكن أن يؤثر على الاستهداف وإدخال عائلات لا تستحق المساعدة لمجرد معرفتهم المسبقة لإحدى العاملين في الجمعية أو أعضاء مجلس الإدارة.
وعن بوابة المساعدات الموحدة توضح جودة إلى أنها لم تتعامل معها رغم مشاركتها في الكثير من الاغاثية التابعة للعديد من الجمعيات والمؤسسات، وأن الجمعيات ترفض الإفصاح عن قوائمها، وأن هناك هاجس لدى بعض الجمعيات من التعاون مع وزارة التنمية بحيث قد يؤثر هذا التعاون على استقلالية قرارات إدارة الجمعية.
وأردفت جودة أن الجمعيات تميل إلى التكتم عن معلومات التمويل وأسماء المتبرعين وبيانات التوزيع وأشارت جودة إلى ضعف الرقابة على التبرعات النقدية التي تسلم للجمعيات باليد بحيث لا تظهر أوجه صرفها في تقارير الجمعيات.
وتقول جودة بأنه لا توجد إجراءات موحدة بين الجمعيات. كل جمعية لديها قوائمها الخاصة، ولا يوجد اطلاع أو تنسيق بينها. لذلك تجدين أحيانًا أن أكثر من جمعية تصل إلى العائلة نفسها في الوقت نفسه، بينما توجد عائلات أخرى لا يصلها أي شيء. لذلك نحن دائمًا نطالب بتوحيد القوائم وتوحيد الجهود داخل كل منطقة. وذلك لأن بوابة المساعدات من التنمية الاجتماعية غير اجبارية.
وعن مدى إمكانية توحيد جهود جميع التوزيعات ضمن إطار البوابة الموحدة للمساعدات لكل محافظة تقول براهمة أن العمل جار منذ مدة على توطيد الثقة ما بين الجمعيات والمؤسسات الأهلية وما بين الوزارة، ويتم ذلك بخطوات ويتم دورياً زيادة عدد المؤسسات في قاعدة البوابة الموحدة.
ماذا عن تكيات إطعام الطعام؟
تقوم بعض التكايا على مبادرات فردية خاصة، بما فيها المبادرات التي يديرها مؤثرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو مجموعات شبابية، فيما يتبع بعضها الآخر للجان الشعبية في المخيمات. وبصرف النظر عن الجهة القائمة عليها، فإن ما تتلقاه هذه التكايا من تبرعات أو هبات أو تمويل مخصص لخدمة المحتاجين يكتسب صفة المال المخصص للنفع العام؛ ما يقتضي إدارته وإنفاقه وفق معايير النزاهة والشفافية والمساءلة والعدالة، والإفصاح عن مصادره وأوجه صرفه ومعايير اختيار المستفيدين، بما يضمن عدالة توزيع الوجبات ووصولها إلى الفئات الأكثر احتياجاً.
يروي أحد العاملين في القطاع الخيري، الذي عمل سابقاً على توثيق تجهيز وجبات في إحدى التكايا، أنه طُلب منه تصوير الوجبات ذاتها لصالح أربع جهات مختلفة، بعد تغيير الملصقات الموضوعة عليها، وإنتاج مقاطع توحي بأن الكميات نفسها خُصصت لكل مؤسسة على حدة. وبالتالي هناك تساؤلات حول مسار التبرعات، وشفافية إدارة الموارد داخل التكايا، ومدى وضوح العلاقة بين الجهات القائمة عليها والمتبرعين الذين يمنحونها ثقتهم.
ويوضح مدير عام صندوق الزكاة الفلسطيني، أ. أحمد عباس خريشة، أن التكايا ولجان الزكاة تخضع لمنظومة رقابية متعددة الجهات من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية فقط. وديوان الرقابة الإدارية، ووحدة الرقابة الداخلية في وزارة الأوقاف، إضافة إلى أعمال الرقابة والمتابعة التي ينفذها صندوق الزكاة الفلسطيني.
ويؤكد خريشة أن التكايا ولجان الزكاة تلتزم بتقديم تقارير دورية، غالباً بصورة شهرية، إلى صندوق الزكاة الفلسطيني، الذي يرفعها بدوره إلى مجلس الوزراء. وتتضمن هذه التقارير، بحسب خريشة، بيانات حول حجم المساعدات المقدمة، ومصادر التمويل، وأوجه الصرف، والفئات المستفيدة، إلى جانب الإيرادات والمصروفات. ومع ذلك، لم يتضح وجود آلية موحدة تضمن حصر جميع التبرعات النقدية والعينية الواردة إلى التكايا وتوثيقها، كما لم تتوافر معلومات كافية حول مستوى الرقابة المالية الفعلية على الإيرادات، ومدى مطابقتها للمبالغ المعلنة والمثبتة في السجلات والتقارير؛ الأمر الذي يحدّ من إمكانية التحقق من شمول التقارير ودقة البيانات الواردة فيها.
ويشير خريشة إلى أن التكايا تعتمد مبدأ إتاحة الطعام لكل من يقصدها، انطلاقًا من أن من يلجأ إلى التكية يكون بحاجة فعلية للطعام. مستشهدًا بما حدث في محافظتي جنين طولكرم إثر موجات النزوح، حيث أسهمت التكايا في توفير الوجبات للمهجرين والتخفيف من آثار الأزمة الإنسانية.
الخاتمة
يكشف هذا التحقيق أن الخلل في منظومة توزيع المساعدات الغذائية في الضفة الغربية يعود إلى غياب مظلة تنسيقية قادرة على إخضاع كامل دورة المساعدة لقواعد موحدة وقابلة للتحقق. فوجود السجل الوطني الاجتماعي والبوابة الموحدة للمساعدات وآليات التدقيق الرسمية لا يكفي لإثبات عدالة التوزيع.
وعليه، فإن إصلاح هذه المنظومة يتطلب الانتقال من تعدد المبادرات المتفرقة إلى حوكمة شبكة المساعدات الغذائية بكاملها، من خلال:
[1] مفتاح (MIFTAH). (2025). موازنة المواطن 2025: وزارة التنمية الاجتماعية. رام الله.