معركة "امتصاص الشيقل": كيف دمر الاحتلال القطاع المصرفي وحول غزة إلى "مجاعة نقدية"؟

خالد أبو عامر- بوابة اقتصاد فلسطين
منذ نحو ثلاثة أعوام يشهد قطاع غزة أزمة خانقة في السيولة النقدية (الكاش)، والتي تعد من أبرز التبعات الاقتصادية الخانقة التي تسببت بها حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع.
فبين ركام البنوك المحطمة، وسياسات الاحتلال الممنهجة لإعادة امتصاص العملة الورقية، ونزيف الأموال عبر "ثقب التنسيقات"، وجد الفلسطيني في غزة نفسه يخوض معركة يومية لا تقل ضراوة عن البحث عن الطعام، وهي معركة الحصول على الورق النقدي لتأمين أدنى مستلزمات الحياة.
حجم الكتلة النقدية
تشير المعطيات الاقتصادية إلى أن حجم السيولة النقدية قبل الحرب الأخيرة كان يتراوح بين (2-3 مليارات شيكل)، تعززها تدفقات وتحويلات خارجية شهرية تراوحت بين (450-600) مليون شيكل تشكل رواتب موظفي السلطة الفلسطينية الجزء الأكبر منها بنحو 170 مليون شيقل شهريا.
إلا أن الحصار المصرفي والقيود التي فرضها الاحتلال أسفر عن تبدد نحو (60-80%) من هذه الكتلة المالية، مما أحدث فراغا نقديا هائلا غذّى بدوره السوق الموازية، ورفع كلفة "تكييش" الأموال إلى مستويات قياسية.
تدمير القطاع المصرفي
بدأت أولى خطوات "المجاعة النقدية" باستهداف آلة الحرب الإسرائيلية للقطاع المصرفي والمالي في غزة، مما أدى إلى عزل القطاع كليا عن المنظومة المالية الرسمية.
فاستنادا لبيانات "سلطة النقد الفلسطينية"، تسبب القصف الإسرائيلي بتدمير كافة فروع البنوك الـ 15 العاملة في غزة، والبالغ عددها 56 فرعا، إلى جانب خروج 97 جهاز صراف آلي (ATM) عن الخدمة. كما أسفر القصف والعمليات العسكرية عن احتجاز وفقدان مئات الملايين من الدولارات والشيقل تحت الركام داخل خزائن المصارف.
بموازاة ذلك، دمرت آلة الحرب الإسرائيلية نحو 88% من شركات التمويل الأصغر وشركات التأمين، إضافة إلى التدمير الشامل للقطاعات الإنتاجية (الخدمات، السياحة، شركات الاستيراد والتصدير، والمصانع)؛ وهو ما تسبب في تبدد الأصول النقدية وجفاف السيولة الدوارة التي كانت تغذي السوق المحلي.
نزيف السيولة وتنسيقات السفر
في الوقت الذي كانت فيه البنوك تخرج عن الخدمة، شهد القطاع نزيفا حادا للسيولة النقدية من العملات الأجنبية الصعبة -وتحديدا الدولار والدينار- نحو الخارج.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 100 ألف فلسطيني غادروا القطاع منذ بدء الحرب عبر آلية "التنسيقات" للنجاة بأرواحهم أو للعلاج والتعليم. وجرت هذه التنسيقات -سواء عبر معبر رفح البري قبل سيطرة الاحتلال عليه في أيار/ مايو 2024، أو عبر شركات ووساطات إسرائيلية مثل "المجد أوروبا"- لقاء مبالغ طائلة بمتوسط 5 آلاف دولار لكل مسافر.
واشترطت هذه الجهات استلام المبالغ نقدا (كاش) حصرا، وتجنب التحويلات المصرفية خوفا من الملاحقات المالية الدولية بتهم الابتزاز أو غسل الأموال. هذا الشرط تسبب في خروج ما لا يقل عن 500 إلى 600 مليون دولار "كاش" من التداول داخل غزة، مما أفرغ القطاع من احتياطياته النقدية الأساسية من العملات الأجنبية.
هندسة التجفيف الإسرائيلية.. الشراء كاش والابتزاز الاقتصادي
لم تكن أزمة السيولة مجرد عرض جانبي للحرب، بل كشفت المعطيات عن سياسة إسرائيلية ممنهجة لامتصاص "الشيقل" من الأسواق.
فقد أدى الضغط الإسرائيلي الشديد على حركة التجارة إلى إجبار التجار الفلسطينيين في غزة على دفع ثمن البضائع الواردة عبر شاحنات القطاع الخاص بالعملة الورقية (نقدا)، ورفض المعاملات أو التحويلات البنكية الرقمية.
هذا الإجراء أجبر التجار على جمع السيولة من الأسواق المحلية بأي ثمن وتسليمها للموردين الإسرائيليين، لتعود هذه الأموال مباشرة إلى المنظومة الاقتصادية الإسرائيلية.
كما ترافقت هذه السياسة مع إجبار التجار والمستوردين على دفع "إتاوات وتنسيقات تجارية" إسرائيلية تجاوزت (ملياري دولار)، دفعت أغلبيتها بشروط نقدية استنزفت ما تبقى من (الشيقل) داخل القطاع.
وقد تجلت هذه السياسة أمنيا وسياسيا في التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، عندما دعا صراحة إلى إلغاء التعامل بورقة الـ 200 شيكل بهدف التضييق المالي على حركة حماس والسكان في غزة.
وعلى الرغم من أن المقترح قوبل بحذر ورفض قانوني واقتصادي من بنك إسرائيل المركزي خوفا من تقويض الثقة بالعملة، إلا أن سلطات الاحتلال استعاضت عن ذلك بفرض آلية "الشراء والتحصيل النقدي المباشر"، لتحقيق الهدف ذاته: تجفيف غزة من "النقد الورقي".
اقتصاد الظل.. السماسرة وعمولة الـ 50%
أمام شلل البنوك وتجفيف الشيقل والدولار، نشأ في قطاع غزة ما يمكن تسميته "اقتصاد العمولات والظلام"، حيث تحولت التطبيقات البنكية الرقمية من أداة تسهيل مالي إلى وسيلة لاستغلال حاجة المواطنين.
وفي ظل غياب الصرافات والسيولة، برزت طبقة من التجار والسماسرة الجدد الذين يقدمون خدمة "التكييش" (تحويل المبلغ عبر التطبيق البنكي للسمسار مقابل تسليم المواطن عملة ورقية نقدا).
بدأت هذه العمولات بنسب مقبولة نسبيا تراوحت ما بين (2-5%)، لكنها سرعان ما قفزت بشكل جنوني مع اشتداد الأزمة لتصل إلى (50%) وأحيانا أكثر.
هذا يعني أن المواطن أو النازح الذي يتلقى حوالة مالية بقيمة 1000 شيكل لشراء طعام لعائلته، يضطر للتنازل عن 500 شيكل منها لصالح السمسار لمجرد الحصول على 500 شيكل ورقية سليمة يُقبل التعامل بها في الأسواق الشعبية.
ختاما؛ يمكن القول إن أزمة السيولة النقدية في قطاع غزة ليست أزمة تقنية أو عابرة، بل هي حرب اقتصادية مكتملة الأركان، نجح الاحتلال من خلالها في تحويل التعامل المالي اليومي إلى رحلة استنزاف مستمرة للقدرة الشرائية للمواطنين.
لقد فقد الشيقل والدولار وظيفتهما الأساسية كوسيط للتبادل، ليتحولا إلى "سلعة نادرة" يُضارب عليها السماسرة، بينما يقف القطاع المصرفي مكبل اليدين أمام حجم الدمار المادي والقيود السياسية. وبدون دخول شحنات سيولة نقدية جديدة وإعادة ترميم المنظومة المصرفية، ستظل غزة تعاني من "سرطان العمولات" الذي يلتهم ما تبقى من أجور ومساعدات المواطنين المحاصرين.