دراسة: 4 خيارات للنظام النقدي الفلسطيني بعد إعادة إعمار غزة

بوابة اقتصاد فلسطين
تبحث دراسة صادرة عن المجلس الأطلسي أربعة خيارات لإعادة تشكيل النظام النقدي الفلسطيني في مرحلة ما بعد الحرب، هي استمرار الاعتماد على الشيكل، إصدار عملة فلسطينية مستقلة، اعتماد البيتكوين، أو التحول إلى الدولار الأمريكي.
وتشير الدراسة إلى أن إعادة إعمار غزة تفتح نقاشاً حول نظام نقدي يقلل من هشاشة الاقتصاد الفلسطيني أمام القرارات الإسرائيلية، خصوصاً في ظل أزمة تراكم الشيكل في البنوك الفلسطينية والقيود المفروضة على التحويلات المصرفية.
وتضع الدراسة أربعة معايير للمفاضلة بين الخيارات، هي الفوائد الاقتصادية، والقدرة المؤسسية، والجدوى السياسية، والمدة اللازمة للتطبيق.
الشيكل، استمرار الوضع القائم
ترى الدراسة أن استمرار استخدام الشيكل يظل الخيار الأكثر سهولة على المدى القصير، بسبب انتشاره الواسع وارتباط التجارة الفلسطينية بإسرائيل. وتقول إن 85% من الصادرات الفلسطينية و55% من الواردات تمر عبر إسرائيل، فيما تُدفع أجور العمال الفلسطينيين في إسرائيل بالشيكل.
لكن هذا الخيار يُبقي الاقتصاد الفلسطيني مرتبطاً بالسياسة النقدية الإسرائيلية، ويحد من قدرة "سلطة النقد الفلسطينية" على إدارة أسعار الفائدة والسيولة والاستجابة للصدمات الاقتصادية.
وتبرز مشكلة تراكم الشيكل كأحد أكبر التحديات. وتشير الدراسة إلى أن التدفقات السنوية من الشيكل إلى الاقتصاد الفلسطيني تقدر بنحو 20 مليار شيكل، مقابل قدرة محدودة على إعادة الأموال إلى إسرائيل عبر القنوات المصرفية، ما أدى إلى تراكم فائض نقدي كبير لدى البنوك الفلسطينية.
عملة فلسطينية مستقلة
يرى الخيار الثاني إنشاء عملة فلسطينية، وهو الخيار الذي يمنح السلطة الفلسطينية أكبر مساحة لإدارة السياسة النقدية وتحقيق عائدات إصدار العملة.
لكن الدراسة تعتبر هذا الخيار غير جاهز للتطبيق على المدى القريب. فهو يحتاج إلى مؤسسات نقدية ذات مصداقية، واحتياطيات أجنبية كافية، وإطار قانوني وتنظيمي، وقدّرت الدراسة الاحتياجات الأولية من الاحتياطيات بنحو 2.1 مليار دولار.
كما أن الاقتصاد الفلسطيني شديد الانفتاح على الخارج، ما يجعل خفض قيمة العملة المحلية سلاحاً محدود الفاعلية، لأن انخفاض قيمة العملة سيرفع تكلفة الواردات التي يعتمد عليها الاقتصاد الفلسطيني بصورة كبيرة.
البيتكوين
تطرح الدراسة البيتكوين كخيار يمنح المستخدمين وسيلة للتحويل وحفظ الأموال خارج النظام المصرفي التقليدي، خصوصاً في غزة، حيث توسع استخدام الأدوات المالية الرقمية خلال الحرب.
لكنها تستبعد البيتكوين كعملة تشغيلية للاقتصاد الفلسطيني بسبب تقلب سعره، وصعوبة استخدامه في التسعير اليومي، ومخاطر الامتثال والرقابة المالية.
وتشير الدراسة إلى أن البيتكوين هبط من نحو 69 ألف دولار في نوفمبر 2021 إلى نحو 15.5 ألف دولار في نوفمبر 2022، وهو تذبذب لا يناسب عملة تستخدم لتسعير الغذاء والإيجارات والأجور.
الدولار الأمريكي
تطرح الدراسة الدولرة باعتبارها الخيار الأسرع لتحقيق قدر أكبر من الاستقرار النقدي وتقليل الاعتماد على الشيكل. ويستند هذا الخيار إلى انتشار الدولار أصلاً في النظام المصرفي الفلسطيني، حيث تُقوّم نسبة كبيرة من الودائع والائتمان بالدولار.
وتشير الدراسة إلى أن الدولار يقلل مخاطر سعر الصرف بالنسبة للمستثمرين والجهات المانحة، ولا يحتاج إلى إنشاء بنك مركزي أو طباعة عملة جديدة.
وتطرح الدراسة العملات المستقرة المدعومة بالدولار كأداة رقمية لتنفيذ الدولرة، خصوصاً في غزة، مع انتشار المحافظ الإلكترونية وتوسع المدفوعات الرقمية.
لكن الدولرة تعني فقدان القدرة على إدارة السياسة النقدية محلياً، لأن أسعار الفائدة ستتبع قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، كما ستتأثر القدرة التنافسية للصادرات الفلسطينية بتغيرات أسعار العملات في المنطقة.
مجلس العملة كحل انتقالي
تقترح الدراسة خياراً وسطاً يتمثل في إنشاء عملة فلسطينية مرتبطة بالدولار ومدعومة بالكامل باحتياطيات أجنبية من خلال مجلس عملة.
ويعني ذلك أن كل وحدة من العملة الفلسطينية تكون مغطاة باحتياطي أجنبي، مع تثبيت سعر الصرف، ما يحد من قدرة الحكومة على تمويل العجز بطباعة النقود ويمنح العملة درجة أعلى من الاستقرار.
وترى الدراسة أن هذا النموذج يصلح كمرحلة انتقالية، لكنه يتطلب احتياطيات كافية وانضباطاً مالياً ومؤسسات مالية قادرة على إدارة النظام.
التوصية
توصي الدراسة بمسار تدريجي يبدأ بالدولار، خصوصاً من خلال أدوات رقمية منظمة ومدعومة بالدولار، مع الإبقاء على الشيكل في التجارة التي ترتبط بإسرائيل.
وعلى المدى البعيد، تقترح الانتقال إلى عملة فلسطينية مستقلة عندما تتوافر ثلاثة شروط رئيسية، الانضباط المالي، المؤسسات النقدية الفعالة، والاحتياطيات الأجنبية الكافية.
وتؤكد الدراسة أن تغيير العملة وحده لن يعالج أزمة الاقتصاد الفلسطيني، لأن أزمة المقاصة والقيود على البنوك المراسلة والاعتماد التجاري على إسرائيل ستظل قائمة حتى مع تغيير العملة.
المصدر: أفيا ليبرمان، مشروع "إعادة تنظيم فلسطين" التابع للمجلس الأطلسي، ضمن سلسلة "مستقبل المال في فلسطين".
المقال الأصلي في المجلس الأطلسي