الرئيسية » الاخبار الرئيسية » آخر الأخبار » في دائرة الضوء »
 
22 أيلول 2026

بين الأزمة المالية وغياب الشفافية.. من يراقب إنفاق الوقود والتشغيل على المركبات الحكومية؟

حسناء الرنتيسي- بوابة اقتصاد فلسطين

في وقت تعاني فيه الخزينة الفلسطينية من أزمة مالية ضاغطة، وتتكرر إجراءات التقشف وتأخير صرف رواتب الموظفين العموميين، يبقى أحد بنود الإنفاق التشغيلي بعيدًا عن النقاش العام بما يكفي: كلفة تشغيل المركبات الحكومية، من الوقود والصيانة إلى التأمين والاستبدال والاستئجار.

ولا تنشر الحكومة، بصورة دورية ومجمعة، بيانات تفصيلية تتيح معرفة حجم هذا الإنفاق، أو كمية الوقود المصروفة، أو تكلفة تشغيل كل مركبة، أو مقارنة كلفة المركبات بين المؤسسات الحكومية.

حاول هذا التحقيق الحصول على معلومات من الجهات المختصة حول حجم الأسطول، والإنفاق على الوقود، وآليات الرقابة، إلا أن معظم المحاولات لم تسفر عن بيانات تفصيلية.

في المقابل، تكشف دراسة حديثة لمعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" أن إدارة أسطول المركبات الحكومية لا تواجه مشكلة في حجم الإنفاق فقط، بل في طريقة إدارة البيانات والرقابة واتخاذ قرارات الإحلال والتشغيل.

طلبات معلومات بلا أرقام

خلال إعداد التحقيق، تم التواصل مع وزارة المالية للاستفسار عن قيمة الإنفاق السنوي على وقود المركبات الحكومية، وعدد المركبات، وآليات مراقبة الاستهلاك، إلا أن الوزارة اعتذرت عن تزويد التحقيق بالمعلومات بسبب الانشغال بهذا الشأن.

وقال وزير المالية استيفان سلامة إن الحكومة تعمل على تركيب حلقات إلكترونية على المركبات الحكومية، بهدف تحديد كمية الوقود اللازمة لكل مركبة ووضع سقف للاستهلاك، مؤكدًا أن السقف "ليس مفتوحًا".

وأوضح أن النظام يهدف أيضًا إلى مراقبة حركة المركبات، بحيث تظهر الحركة غير الضرورية أو التي تتم خارج أوقات الدوام.

وبحسب سلامة، فإن الحكومة بدأت منذ مطلع العام منع شراء مركبات جديدة، باستثناء الحالات التي يكون فيها الشراء ممولًا من دعم خارجي، كما اشترطت أن تكون المركبات الجديدة هجينة أو كهربائية بهدف تقليل استهلاك الوقود.

وعن حجم التجاوزات في استخدام الوقود أو المركبات، قال سلامة إنه لا يملك معلومات حول حجمها أو نسبتها.

كما جرى التواصل مع وزارة النقل والمواصلات للحصول على بيانات الأسطول الحكومي وآليات الرقابة، دون الحصول على رد حتى موعد إعداد التحقيق.

وحاول التحقيق التواصل مع ممثلين عن قطاع المحروقات وبعض محطات الوقود للحصول على معلومات مرتبطة بأنماط استهلاك المركبات الحكومية، إلا أن الاتصالات لم تلق استجابة، فيما اعتذرت جهة نقابية عن الإدلاء بمعلومات.

دراسة "ماس" تضع الكلفة تحت المجهر

في ظل غياب البيانات التي حاول التحقيق الحصول عليها، توفر دراسة "نظام إدارة أسطول المركبات الحكومية الفلسطيني: سيناريوهات مقارنة لتحسين الفعالية والكفاءة والحوكمة"، الصادرة عن معهد "ماس" عام 2026، صورة أكثر تفصيلًا عن الكلفة الاقتصادية لإدارة الأسطول.

وتدرس الورقة سبعة سيناريوهات لإدارة المركبات الحكومية خلال الفترة 2026–2030، تبدأ باستمرار الوضع القائم، وتشمل شراء مركبات تقليدية جديدة، والتأجير التمويلي للمركبات التقليدية والكهربائية، والشراء المباشر للمركبات الهجينة والكهربائية، وصولًا إلى الإحلال المرحلي من المركبات الهجينة إلى الكهربائية.

وتقدر الدراسة كلفة استمرار الوضع القائم، باعتباره خط الأساس، بنحو 120.9 مليون شيكل خلال خمس سنوات، نتيجة التكاليف المرتبطة بتشغيل الأسطول، وفي مقدمتها الوقود والصيانة.

أما شراء مركبات تقليدية جديدة مباشرة، فيخفض الكلفة الإجمالية إلى نحو 109.7 مليون شيكل، أي بانخفاض يقارب 9% عن الوضع القائم، لكن الدراسة تشير إلى أن هذا الخيار لا يعالج جوهريًا بنية التكاليف المرتبطة باستهلاك الوقود.

وفي المقابل، تصل كلفة سيناريو الإحلال المرحلي، بدءًا بالمركبات الهجينة ثم الانتقال تدريجيًا إلى الكهربائية، إلى نحو 95.66 مليون شيكل خلال الفترة نفسها.

وبحسب الدراسة، يقل هذا السيناريو بنحو 25.26 مليون شيكل، أو 21%، عن خط الأساس، وتصفه الدراسة بأنه الأكثر كفاءة وتوازنًا من حيث الكلفة والمخاطر وقابلية التنفيذ.

وتشير الدراسة إلى أن سيناريوهات التأجير التمويلي سجلت أعلى مستويات التكلفة بين البدائل التي جرى تحليلها.

كم تكلف المركبة الحكومية؟

لا تقتصر المشكلة على فاتورة الوقود.

وتشير بيانات الدراسة إلى أن متوسط الإنفاق السنوي على الوقود والصيانة خلال الفترة 2014–2025 بلغ نحو 83.3 مليون شيكل، منها نحو 62.7 مليون شيكل للمركبات العسكرية و20.5 مليون شيكل للمركبات المدنية.

وبحسب البيانات، بلغ متوسط الكلفة السنوية لكل مركبة نحو 14,175 شيكل للمركبة المدنية مقابل 13,653 شيكل للمركبة العسكرية.

لكن المتوسطات العامة تخفي فروقًا كبيرة بين المؤسسات.

ففي عام 2025، بلغت كلفة الوقود والصيانة لكل مركبة في وزارة الصحة نحو 65,076 شيكلًا، وفق بيانات شملت 180 مركبة، فيما بلغت في وزارة التربية والتعليم العالي نحو 59,215.8 شيكلًا لكل مركبة، وفق بيانات شملت 88 مركبة.

في المقابل، بلغت الكلفة في محافظة نابلس نحو 4,700 شيكل للمركبة.

هذا التفاوت يطرح سؤالًا لا تجيب عنه قيمة الإنفاق الإجمالية وحدها: لماذا تختلف كلفة تشغيل المركبة بهذا الحجم بين مؤسسة وأخرى؟

هل يعود ذلك إلى طبيعة عمل المركبات، وعدد الكيلومترات، ونوع المركبات، أم إلى اختلاف أساليب الإدارة والرقابة والاستخدام؟

وهنا تحديدًا تظهر أهمية وجود قاعدة بيانات موحدة تسمح بالمقارنة على أساس عدد الكيلومترات، ونوع المركبة، ومهامها، وكلفة الوقود والصيانة.

الاستئجار كلفة إضافية

تكشف البيانات أيضًا أن الحكومة أنفقت خلال الفترة 2014–2025 نحو 99.86 مليون شيكل على استئجار المركبات، بمتوسط سنوي بلغ نحو 8.32 مليون شيكل.

واستحوذت وزارة الصحة على نحو69.77 مليون شيكل من إجمالي نفقات الاستئجار خلال الفترة، بمتوسط سنوي يقارب 5.81 مليون شيكل.

أما وزارة التربية والتعليم العالي، فبلغ إجمالي ما أنفقته على استئجار المركبات نحو 24.34 مليون شيكل، بمتوسط سنوي يبلغ نحو 2.03 مليون شيكل.

وبذلك لا تتوقف تكلفة الأسطول عند المركبات المملوكة للحكومة، بل تمتد إلى مركبات مستأجرة تتحمل الموازنة العامة كلفتها أيضًا.

أسطول يتقدم في العمر

تظهر بيانات الدراسة أن تقادم المركبات يمثل عاملًا إضافيًا في ارتفاع كلفة التشغيل والصيانة.

فمن المركبات المدنية، تجاوز عمر 14.6% منها 15 عامًا، فيما بلغت نسبة المركبات التي تجاوز عمرها 10 سنوات نحو 27.7%، وبلغت نسبة المركبات التي تجاوز عمرها 5 سنوات نحو 63.2%.

أما المركبات العسكرية، فتشير البيانات إلى أن 34.6% منها تجاوز عمرها 15 عامًا، و45.3% تجاوزت 10 سنوات، فيما تجاوز عمر 69.6% منها 5 سنوات.

وتنسجم هذه المعطيات مع خلاصة دراسة «ماس» بأن استمرار الإدارة التشغيلية قصيرة الأجل يؤدي إلى تراكم أعباء مالية، وأن قرارات الإحلال ينبغي أن تقوم على إدارة دورة حياة المركبة وليس على قرارات منفصلة لكل مؤسسة.

ماذا يحدث عندما تباع المركبات القديمة؟

تظهر البيانات أن الحكومة باعت 3,109 مركبات خلال الفترة 2008–2025، بإجمالي إيرادات بلغ نحو 87.7 مليون شيكل، وبمتوسط سعر بيع يقارب 28.2 ألف شيكل للمركبة.

لكن متوسط سعر المركبة المباعة في عام 2025 انخفض إلى نحو 15.7 ألف شيكل.

وهنا تظهر مسألة أخرى في إدارة الأسطول: متى يكون الاحتفاظ بالمركبة القديمة أكثر كلفة من استبدالها؟ ومتى يصبح بيعها أفضل ماليًا من استمرار إنفاق أموال على صيانتها وتشغيلها؟

وتوصي دراسة "ماس" بوضع معايير موضوعية للإحلال والبيع، تعتمد العمر الاقتصادي للمركبة وتكاليف تشغيلها وصيانتها، بدل التعامل مع عملية الاستبدال باعتبارها قرارًا منفصلًا عن دورة حياة المركبة.

وثائق مكافحة الفساد: الرقابة ليست جديدة

لا يأتي الحديث عن الرقابة على المركبات الحكومية من دراسة "ماس" وحدها، فهيئة مكافحة الفساد قالت انها تعمل مع وزارة النقل والمواصلات على دراسة بعنوان "إدارة مخاطر الفساد في قطاع النقل الحكومي المدني الفلسطيني".

وفي فبراير/شباط 2026، أعلنت الهيئة ووزارة النقل والمواصلات استعراض خطة الاستجابة للدراسة، وأكدتا أن الخطة تتضمن برنامجًا إصلاحيًا في ستة محاور، من بينها الإصلاح التشريعي، وتبسيط الإجراءات، والرقمنة، وتعزيز الرقابة الداخلية.

وتنسجم هذه التوجهات مع ما خلصت إليه دراسة "ماس" من ضرورة إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة تربط كل مركبة بمصاريفها التشغيلية طوال دورة حياتها، وتطوير نظام وطني موحد لإدارة الأساطيل، والتوسع في تقنيات التتبع والاتصالات عن بعد وربطها بأدوات الرقابة والمساءلة.

الحلقات الإلكترونية.. أين وصلت؟

هنا تظهر فجوة تحتاج إلى إجابة رسمية واضحةففي عام 2022، أعلنت وزارة المالية بالشراكة مع وزارة النقل والمواصلات البدء بالإجراءات العملية لتركيب الحلقات الإلكترونية على مركبات النقل العام، بهدف تحديد كمية الوقود المدعوم وفق مسافة الخط وعدد الرحلات وحجم المحرك.

وفي ذلك الوقت، قال مراقب المرور العام علي زكارنة إن تكلفة الحلقات ستتجاوز مليون دولار، على أن تتكفل وزارة المالية بها.

وكان النظام المقترح يعتمد تركيب حلقة إلكترونية على خزان الوقود للمركبة أو الحافلة لتحديد كمية الوقود المسموح بها وفق معايير محددة.

لكن هذا النظام كان مخصصًا لمركبات النقل العام في سياق دعم السولار، وليس من الممكن افتراض أنه النظام ذاته المستخدم حاليًا في المركبات الحكومية.

وهنا يبرز السؤال الذي يحتاج إلى إجابة من الحكومة:إذا كانت الحكومة قد خصصت في عام 2022 أكثر من مليون دولار لنظام الحلقات الإلكترونية لمركبات النقل العام، فما طبيعة النظام الذي قال وزير المالية إنه مطبق حاليًا على المركبات الحكومية؟ وهل هو النظام نفسه أم نظام مختلف؟ وكم مركبة حكومية أصبحت مرتبطة به فعليًا؟

المشكلة في البيانات قبل أن تكون في الوقود

تقدم دراسة "ماس" إجابة جزئية عن السؤال الذي بدأ منه التحقيق.

فالدراسة لا تشير فقط إلى ارتفاع كلفة التشغيل، بل تقول إن من أبرز مكامن الخلل غياب قاعدة بيانات موحدة تربط تسجيل المركبات بالمصاريف التشغيلية، إلى جانب تفاوت ممارسات مراكز المسؤولية وضعف الرقمنة والأتمتة، واستمرار استخدام مركبات حكومية خارج الأطر الرسمية.

وهذا يعني أن السؤال الرقابي لا يجب أن يكون فقط: كم أنفقت الحكومة على الوقود؟

بل يجب أن يمتد إلى:

كم استهلكت كل مركبة؟

كم كلفت صيانتها؟

كم قطعت من الكيلومترات؟

ما طبيعة مهامها؟

هل يتناسب استهلاكها مع استخدامها؟

ومتى يصبح استمرار تشغيلها أكثر كلفة من استبدالها؟

من دون هذه البيانات، يصعب تقييم كفاءة الإنفاق حتى لو كانت الحكومة تضع سقوفًا لاستهلاك الوقود أو تستخدم أنظمة إلكترونية للمراقبة.

بين 120.9 مليون و95.66 مليون شيكل

تكشف دراسة "ماس" أن النقاش حول المركبات الحكومية يمكن تحويله من نقاش عام حول التقشف إلى حساب مالي واضح.

فاستمرار الوضع القائم خلال الفترة 2026–2030 يقدر بنحو 120.9 مليون شيكل.

أما سيناريو الإحلال المرحلي الذي يبدأ بالمركبات الهجينة ثم ينتقل إلى الكهربائية، فتبلغ كلفته المقدرة 95.66 مليون شيكل.

وبحسب الدراسة، يمثل ذلك فرقًا قدره 25.26 مليون شيكل، أي نحو 21% مقارنة بخط الأساس.

ولا يعني ذلك أن التحول إلى المركبات الهجينة والكهربائية وحده يحل مشكلة إدارة الأسطول، إذ تؤكد الدراسة أن أي إصلاح تقني لن يكون مستدامًا من دون إصلاح مؤسسي، وقاعدة بيانات موحدة، وآليات رقابة قائمة على البيانات.

أسئلة ما زالت مفتوحة

رغم ما توفره الدراسة من بيانات، بقيت مجموعة من الأسئلة المرتبطة بالإنفاق الفعلي والرقابة اليومية بحاجة إلى إجابات حكومية واضحة:

كم يبلغ عدد المركبات الحكومية العاملة حاليًا؟كم تبلغ قيمة الإنفاق الفعلي السنوي على الوقود؟ما كمية الوقود التي تستهلكها المركبات الحكومية؟كم مركبة مرتبطة فعليًا بنظام إلكتروني لمراقبة الوقود؟

هل جميع المركبات مزودة بأنظمة تتبع؟ما الجهة التي تراقب تجاوز سقف استهلاك الوقود؟كم عدد المخالفات التي سجلها النظام منذ بدء تطبيقه؟هل توجد بيانات عن المركبات التي تتحرك خارج أوقات الدوام؟كم تبلغ كلفة الصيانة لكل مركبة؟ما المعايير التي تحدد بيع المركبة أو استبدالها؟ وهل تنشر الحكومة نتائج الرقابة على هذا الملف؟

لا تشير المعطيات المتاحة إلى غياب كامل للإجراءات الرقابية، فالحكومة تتحدث عن استخدام الحلقات الإلكترونية وتحديد سقوف لاستهلاك الوقود، وهيئة مكافحة الفساد تعمل مع وزارة النقل والمواصلات على برنامج إصلاحي، فيما تقدم دراسة "ماس" تصورًا متكاملًا لإدارة الأسطول والانتقال إلى إدارة قائمة على البيانات.

لكن المشكلة التي تكشفها الدراسة بوضوح هي أن الإجراءات الرقابية والتقنية لا تزال بحاجة إلى منظومة بيانات موحدة تسمح بقياس الكلفة والاستخدام على مستوى كل مركبة ودورة حياتها.

وفي ظل أزمة مالية تضغط على الموازنة العامة، تصبح كلفة المركبات الحكومية أكثر من مجرد بند تشغيلي.إنها ملف يمكن قياس كفاءته بالأرقام.

لكن من دون نشر هذه الأرقام بصورة منتظمة، يبقى من الصعب على المواطن ووسائل الإعلام والباحثين معرفة حجم الإنفاق، ومقارنة كفاءة المؤسسات، وتقييم ما إذا كانت إجراءات التقشف تطال هذا البند بالقدر الكافيفالسؤال ليس فقط: كم تدفع الحكومة مقابل الوقود؟ بل: هل تعرف الحكومة بدقة كم تكلفها كل مركبة، ولماذا، وكيف تستخدم، ومتى يصبح استمرار تشغيلها عبئًا أكبر من استبدالها؟

 

 

 

 

مواضيع ذات صلة