الرئيسية » أقلام اقتصادية » آخر الأخبار »
 
11 تشرين الأول 2026

من الانتباه إلى القرار… ماذا تكشف الانتخابات الفلسطينية عن قوة التسويق الرقمي وحدوده؟

بقلم: د. عبد الفتاح دمج
أكاديمي وباحث في التسويق والتجارة الإلكترونية

بوابة اقتصاد فلسطين

عندما توجه الفلسطينيون إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية عام 2006، كانت طبيعة الحياة واتصالاتها مختلفة جذرياً عن تلك التي نعيش فيها اليوم. كان المهرجان الجماهيري، الملصق في الشارع، اللقاء المباشر، الإذاعة، التلفاز المحلي والصحيفة، من الأدوات الأساسية للوصول إلى الناخب. أما اليوم، وبعد عشرين عاماً، أصبح جزء كبير من هذه الرحلة يمر عبر شاشة صغيرة يحملها المواطن في يده.

وقد أضاف المشهد الانتخابي الفلسطيني خلال الساعات الماضية تحولاً جديداً؛ إذ صدر مرسوم رئاسي يقضي بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن في 11 أيلول 2027، بدلاً من موعد الانتخابات التشريعية الذي كان مقرراً في تشرين الثاني 2026. ورغم أن موعد الاقتراع تغير، فإن سؤالًا آخر يبقى قائماً: كيف ستصل الحملات والمرشحون إلى ناخب تختلف بيئته الإعلامية والرقمية جذرياً عن ناخب عام 2006؟

فخلال هذه السنوات، لم تتغير أدوات الدعاية فقط، بل تغيرت أيضاً الطريقة التي تُدار بها عملية الوصول إلى الجمهور، وكيف يتعرض للمعلومات، ويقارن بين الخيارات، ويبني المعرفة والثقة قبل الوصول إلى قراره.

في لغة التسويق، يمكن النظر إلى القرار باعتباره رحلة تمر بمراحل: الوعي بوجود الخيار، ثم الاهتمام به، ثم البحث والمقارنة والتقييم، وصولاً إلى القرار النهائي. وبالطبع، الناخب ليس مستهلكاً والمرشح ليس منتجاً بالمعنى التجاري، لكن بعض مفاهيم إدارة التسويق والاتصال تساعدنا على فهم كيف تغيرت البيئة التي تسبق القرار الانتخابي.

فالناخب قد يتعرف اليوم إلى اسم أو قائمة من خلال مقطع فيديو قصير، ثم يشاهد مقابلة على منصة أخرى، ويقرأ تعليقات الناس، ويتلقى محتوى عبر مجموعة عائلية أو اجتماعية، ويبحث عن معلومات إضافية في محركات البحث مثل جوجل، وربما يسأل إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي قبل أن يصل إلى موقفه النهائي.

وهكذا انتقلت المنافسة، جزئياً، من إدارة الرسالة الانتخابية إلى إدارة رحلة الوصول إلى تلك الرسالة.

من التسويق الجماهيري إلى اقتصاد الانتباه

الدعاية التقليدية كانت تعتمد إلى حد كبير على منطق قريب من التسويق الجماهيري: رسالة واحدة تصل إلى جمهور واسع. أما المنصات الرقمية، فغيّرت هذا النموذج.

فالمستخدمان اللذان يجلسان في المدينة نفسها ويحملان الهاتف نفسه قد لا يشاهدان المحتوى نفسه. ما يظهر لكل واحد منهما يتأثر بالحسابات التي يتابعها، والمحتوى الذي يتوقف عنده، وما يتفاعل معه، وما تتوقع أنظمة التوصية أنه سيبقيه مدة أطول على المنصة.

وهنا ندخل إلى ما يعرف في التسويق الرقمي باقتصاد الانتباه. المورد النادر لم يعد فقط المال أو مساحة الإعلان، بل انتباه الإنسان نفسه. آلاف الرسائل تتنافس يومياً على ثوانٍ محدودة من انتباه المستخدم، ولذلك أصبح الوصول إلى الشاشة خطوة تسبق الإقناع.

وهذا أمر مهم في مجتمع ذي حضور رقمي واسع. فوفق تقريرDigital 2026 ، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في فلسطين نحو 4.86 مليون مستخدم بنهاية عام 2025، بنسبة انتشار بلغت 86.6%، فيما بلغ عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي نحو 2.3 مليون.  لكن هل يعني ذلك أن الخوارزمية هي التي ستحدد كيف يصوت المواطن؟

والإجابة حقيقة أكثر تعقيداً، وهي أن "الخوارزمية تدير ما نراه… لا ما نقرره بالضرورة".

ومن الأخطاء الشائعة إعطاء التكنولوجيا قدرة أكبر مما تثبته الأدلة.

الخوارزمية تستطيع ترتيب المحتوى، وزيادة احتمال تعرض المستخدم لبعض الرسائل، وتقليل تعرضه لأخرى. وقد بينت دراسات حديثة أن هذا الترتيب ليس بلا أثر. ففي تجربة ميدانية نشرتها مجلة Nature عام 2026 على مستخدمي منصةX، أدى الانتقال من الخلاصة الزمنية إلى الخلاصة الخوارزمية إلى تغيرات في بعض المواقف السياسية وفي الأولويات التي منحها المشاركون لبعض القضايا، لكن الدراسة لم تجد تغيراً مماثلاً في الانتماء الحزبي المعلن.

لكن هذه نتائج في بيئات ومنصات ومجتمعات مختلفة، ولا يجوز نقلها آلياً إلى الحالة الفلسطينية.

والأدق أن نقول: الخوارزمية قد تؤثر في بيئة المعلومات التي يمر عبرها القرار، لكنها ليست سبباً في صنع القرار نفسه.

وهنا تحديداً تصبح الحالة الفلسطينية أكثر إثارة للاهتمام من منظور التسويق والسلوك.

فالناخب الفلسطيني لا يبدأ من الشاشة

لو تعاملنا مع الناخب وكأنه فرد يدخل إلى وسائل التواصل بلا تاريخ اجتماعي أو انتماءات سابقة، فسنصل إلى استنتاجات خاطئة مهما كانت تحليلاتنا الرقمية متقدمة.

في المجتمع الفلسطيني، للعائلة والعلاقات الاجتماعية والمكان والانتماء الحزبي والتجارب السابقة أدوار لا يمكن تجاهلها. وفي بعض السياقات المحلية تحديداً، وثقت دراسات علمية أثر الروابط العائلية والعشائرية والأحزاب في تعبئة الناخبين وتوجيههم. فدراسة تناولت الانتخابات البلدية في محافظة الخليل في عامي 2005 و2017، واعتمدت على عينة من أعضاء المجالس البلدية، وجدت تأثيراً مرتفعاً للعشائر والأحزاب في التعبئة والتوجيه الانتخابي. ولا يصح بالطبع تعميم نتيجة دراسة محلية كهذه على كل فلسطين أو على الانتخابات التشريعية بالذات، لكنها توضح وزن البنية الاجتماعية في فهم السلوك الانتخابي الفلسطيني.

وبلغة بحوث التسويق، فإن العلاقة بين التعرض للمحتوى الرقمي والسلوك النهائي ليست علاقة خطية مباشرة.

فهناك متغيرات سابقة ومعدلة: الانتماء، والثقة، والخبرة، والجماعات المرجعية، والأسرة، وشبكة العلاقات الاجتماعية. وهذه العوامل قد تكون أقوى أحياناً من أي إعلان ممول عبر ميتا او غيرها.

فالشخص الذي حسم موقفه أصلاً وفق انتماء حزبي قد يستخدم المنصات أساساً لمتابعة المحتوى المتوافق معه. ومن يتحرك داخل شبكة عائلية قوية قد يتلقى كثيراً من الرسائل السياسية من داخل الشبكة نفسها قبل أن تصل إليه عبر حساب رسمي أو إعلان.

وهنا لا تختفي الأساليب التقليدية كالعائلة أو الحزب بسبب التكنولوجيا.

بل قد تنتقل العائلة والحزب نفسيهما إلى البيئة الرقمية.

مجموعة العائلة على واتساب، ومنشور قريب أو صديق، وإعادة مشاركة فيديو داخل دائرة اجتماعية موثوقة قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من الإعلان الأصلي، لأن مصدر الرسالة نفسه يحمل رصيداً سابقاً من الثقة. وقد يكون للكلمة المنقولة إلكترونياً بين الناس(e-WOM) وللمجموعات المرجعية، تأثير مهم إلى جانب الاتصال الرسمي للجهة نفسها.

وهكذا لا تحل التكنولوجيا محل البنية الاجتماعية؛ بل تعيد تشكيل القنوات التي تعمل من خلالها هذه البنية.

المشاهدات ليست أصواتاً

وهنا نصل إلى خطأ إداري وتسويقي آخر: الخلط بين مؤشرات المنصات وبين النتيجة الفعلية.

في التسويق الرقمي هناك فرق معروف بينReach  وEngagement  و.Conversion  الوصول ليس تفاعلاً، والتفاعل ليس بالضرورة تحويلاً إلى سلوك نهائي.

المبدأ نفسه مهم عند قراءة الحملات الانتخابية.

فمليون مشاهدة لمقطع ما لا تعني مليون مؤيد. وآلاف التعليقات لا تعني أن صاحب المحتوى أصبح أكثر قبولاً. وقد ينتشر مقطع لأن الناس يرفضونه أو يسخرون منه أو يجدونه مثيراً للجدل.

لذلك فإن عدد المتابعين والمشاهدات والإعجابات هي مؤشرات اتصال وليست أصواتاً انتخابية.

وهذه ربما من أهم الدروس التي يمكن للإدارة الحديثة للحملات أن تستفيد منها: لا ينبغي الحكم على نجاح الاتصال من خلال ما يُعرف في التسويق بـ"المؤشرات الشكلية"، وهي أرقام قد تبدو جذابة، مثل المشاهدات والإعجابات والمتابعين، لكنها لا تكشف بمفردها ما إذا كان الهدف الحقيقي قد تحقق.

السؤال الإداري الأكثر أهمية ليس: كم شخصاً شاهد المنشور؟

بل: هل وصلت الرسالة إلى الجمهور المقصود؟ هل فهمها؟ هل وجد معلومات كافية للمقارنة؟ وهل ساعد الاتصال في بناء المعرفة والثقة بدل مجرد إنتاج تفاعل سريع؟

الثقة قد تصبح أهم من الوصول

لسنوات، كان التسويق الرقمي منشغلاً بمشكلة الوصول. أما مع التضخم الهائل في المحتوى ودخول الذكاء الاصطناعي التوليدي، فقد تصبح المشكلة القادمة هي الثقة.

فالذكاء الاصطناعي خفّض تكلفة إنتاج المحتوى إلى مستويات غير مسبوقة. يمكن إنتاج النصوص والصور ومقاطع الفيديو والترجمة والملخصات بسرعة كبيرة، وهذا يقدم للحملات والمؤسسات أدوات قوية لتحسين الإنتاجية وإدارة المحتوى.

لكن النتيجة الأخرى هي أن كمية المحتوى ستصبح أكبر بكثير، ولن تكون الجودة والمصداقية مضمونة بالضرورة.

وهنا تتغير المعادلة التسويقية: عندما يصبح إنتاج الرسالة سهلاً، قد تصبح المصداقية هي المورد النادر.

ولذلك، ربما لن تكون الإدارة الرقمية الأكثر كفاءة هي التي تنشر أكثر، وإنما التي تستطيع بناء اتصال واضح ومتسق وقابل للتحقق، وتوضح مصادر أرقامها ومعلوماتها، وتحافظ على اتساق رسائلها عبر مختلف القنوات.

وهذا يعيدنا إلى مفهوم أساسي في الإدارة التسويقية هو الاتصال المتكامل؛ فالرسالة في الفيديو، والبرنامج المكتوب، والمنشور، والمقابلة، والموقع الرسمي، والإجابة عن أسئلة الجمهور، ينبغي ألا تبدو وكأنها منتجات منفصلة لا رابط بينها.

أين يصبح التسويق الرقمي مؤثراً إذن؟

ليس من الضروري أن يجعل التسويق الرقمي ناخباً حزبياً يغير انتماءه كي نقول إنه مؤثر.

قد تكون قيمته في مرحلة أبكر من القرار: تعريف الجمهور بأسماء لم يكن يعرفها، ورفع حضور قضية ما، وتكوين صورة أولية عن مرشح أو قائمة، وتسهيل الوصول إلى البرامج والمعلومات، وتنشيط المؤيدين، وفتح الاتصال المباشر مع الجمهور.

بعبارة أخرى، قد يكون أثره الأكبر في إدارة نقاط الاتصال التي يمر بها الناخب خلال رحلته، لا في صناعة القرار النهائي من الصفر.

وهذا هو الفرق بين النظرة المبسطة للتسويق الرقمي والنظرة الإدارية له.

التسويق ليس منشوراً ممولاً، ولا فيديو قصيراً، ولا زيادة عدد المتابعين. هو إدارة منظمة للعلاقة بين الجمهور، والرسالة، والقناة، والتوقيت، والثقة، والهدف.

والبيئة الفلسطينية تضيف إلى هذه العناصر متغيراً بالغ الأهمية: الشبكة الاجتماعية التقليدية التي تحيط بالفرد.

لذلك، ربما يكون النموذج الأكثر واقعية لفهم قرار الناخب الفلسطيني في الانتخابات المقبلة ليس مساراً بسيطاً يبدأ بالإعلان وينتهي بالتصويت، بل شبكة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الانتماءات السابقة، العائلة والمجتمع، التجربة والثقة، المرشح وبرنامجه، والظروف العامة، إلى جانب المحتوى الرقمي والخوارزميات. ومن ثم، لا يستطيع عامل واحد أن يفسر القرار بمفرده.

الشاشة الجديدة والمجتمع القديم

بعد عشرين عاماً على آخر انتخابات تشريعية فلسطينية، لم تعد أدوات الوصول إلى المواطن كما كانت.

لكن الخطأ سيكون أن نفترض أن الشاشة ألغت ما كان قبلها.

فالعائلة لم تختفِ، والانتماءات لم تختفِ، والعلاقات الشخصية لم تختفِ، وكذلك اللقاءات المباشرة والمجالس والحوارات الاجتماعية. ما حدث هو ظهور طبقة رقمية جديدة أضيفت فوق هذه المنظومة، وأصبحت الرسائل القديمة والجديدة والعلاقات الاجتماعية والخوارزميات تعمل في المساحة نفسها.

وهذا ربما هو التحول الحقيقي الذي ينبغي أن نهتم به من منظور الإدارة والتسويق الرقمي.

فالسؤال لم يعد فقط: من يملك الرسالة الأقوى؟

بل أيضاً: كيف تصل الرسالة؟ ومن يراها؟ ومن ينقلها؟ وبأي مصدر يثق المتلقي؟ وماذا يحدث لها عندما تمر من الخوارزمية إلى العائلة، ومن العائلة إلى الهاتف، ومن الهاتف إلى قرار الفرد؟

في انتخابات 2006، كان جزء كبير من المنافسة يدور في الشارع والمهرجانات واللقاءات العامة.

أما عندما يتوجه الفلسطينيون مجدداً إلى الانتخابات، فستكون شاشة الهاتف جزءاً من المشهد الانتخابي بدرجة لم تكن موجودة في عام 2006.

 وبلا شك أن الشاشة لن تصنع القرار وحدها. فالخوارزمية قد تدير ما يظهر أمام الناخب، والتسويق قد يدير طريقة تقديم الرسالة، أما القرار فيبقى نتاج تفاعل أكثر تعقيداً بين ما يراه الإنسان، ومن يثق بهم، وما ينتمي إليه، وما يقتنع به.

وهذا ربما هو أهم درس للتسويق الرقمي نفسه: "الوصول إلى الإنسان أسهل من أي وقت مضى… أما كسب ثقته، فيبقى المهمة الأصعب".

 

هل تتفق مع ما جاء في هذا المقال؟