الرئيسية » محلي » آخر الأخبار » ريادة »
 
04 تشرين الثاني 2026

«لست آخر صانع خيزران».. حاتم حريز يعيد إحياء الحرفة في الضفة الغربية

بوابة اقتصاد فلسطين
إعداد: فريق التحرير

في ورشته في الخليل، يثني حاتم حريز أعواد الخيزران بالبخار منذ نحو ثلاثين عامًا، ويعيد إلى الحياة قطعًا ظن الناس أنها انقرضت

في ورشة صغيرة في الخليل، يخرج عود الخيزران من فرن البخار لينًا، فيثنيه حاتم حريز بيديه على الشكل الذي يريده، ثم يتركه ليثبت. يفعل ذلك منذ نحو ثلاثين عامًا، في حرفة لم تكن أصلًا من حرف مدينته، وتُعد اليوم من أكثر الحرف المهددة بالاندثار في فلسطين.

حاتم، البالغ من العمر 54 عامًا، هو الحرفي والمصمم وراء "أول مهد، آخر حِرفة"، أحد المشاريع الـ27 التي يضمها معرض "أيادٍ خالدة: حوار التراث والتصميم"، والذي يفتتح أبوابه في بيت لحم يوم 10 نوفمبر في مركز السلام، مرتحلا من رام الله والبيرة،  ضمن مشروع تنفذه اليونسكو بتمويل من الاتحاد الأوروبي لصون الحرف التقليدية المهددة بالاندثار.

صنعة جاءت من غزة

لم يخطط حاتم يومًا ليكون صانع خيزران. يقول: "لم يكن في بالي أن أتعلم صنعة، ولم أكن أعرف الخيزران أصلًا". لكن أحدهم سأله مصادفة: ما رأيك أن تتعلمها؟ فذهب.

تعلّم حاتم الحرفة عام 1998 على يد حرفي من غزة كان قد افتتح ورشة في الضفة الغربية، قبل أن يترك هو الآخر الحرفة لاحقًا. ويقول: "وجدتها صنعة ممتازة". ومنذ ذلك الحين لم يترك الخيزران.

ويصفه نص المعرض بأنه واحد من آخر الحرفيين الذين لا يزالون يمارسونها. لكن حاتم يفضّل أن يرى الأمر بطريقة أخرى: "أنا لست آخر صانع خيزران، أنا بداية الخيزران في الضفة"، فقبله، كما يقول، لم يكن أحد يعمل فيها.

حرفة بلا ورثة

يعرف حاتم كيف تموت الحرف. يقول عن حرفي سبقه: "كان يعمل فيها، ثم مات، وماتت الصنعة معه. لم يعلّمها لأولاده ولا لأحفاده ولا لأحد".

لهذا لا يغلق حاتم باب ورشته أمام من يريد أن يتعلم. فالشبان والشابات الذين يعملون معه اليوم جاؤوا إليه ليتدربوا، ثم بقوا. ومنهم أشخاص من ذوي الإعاقة، بينهم شاب كفيف علّمه حاتم صناعة كرسي الخيزران التراثي.

"هذا الكرسي مات"

وللكرسي التراثي حكاية خاصة. فهو كرسي قهوة كان الأهالي في الماضي يستأجرونه في أيام الأعراس والأفراح ليجلس عليه الضيوف، ثم "انقرض في الضفة كلها، ولم يبقَ أحد ينتجه"، كما يقول حاتم.

حين عرضه حاتم في جامعة الخليل، توقف أمامه الدكتور نبيل الجعبري، رحمه الله، رئيس الجامعة آنذاك، مستغربًا أن أحدًا ما زال يصنعه، وقال: "هذا الكرسي مات". فأجابه حاتم: "نحن أعدناه".

من شرق آسيا إلى الخليل

لا ينمو الخيزران في فلسطين. يقول حاتم: "منبته شرق آسيا، وليس عندنا هنا ولا في الدول العربية إنتاج لعود الخيزران، كلنا نستورد". ويأتي معظمه من إندونيسيا وماليزيا وفيتنام والفلبين، وبعضه من الصين.

يصل الخيزران إلى الورشة أعوادًا طويلة قد يبلغ بعضها سبعة أمتار. وقلب الصنعة في ثني العود، ويمكن أن يتم بالنار أو بالبخار، لكن "النار تحرق الخيزران، فنفضّل البخار"، يقول حاتم. يدخل العود فرن البخار ربع ساعة تقريبًا، فيخرج وقد "أخذ رطوبة وليونة"، فيُشكَّل على الهيئة المطلوبة ويثبت عليها، ثم تُجمع القطع لتصير كرسيًا أو سرير طفل.

نسيج من الوادي

وإذا كان خيزران حاتم يأتي من بعيد، فللنسج بالقصب في فلسطين جذور محلية. ففي وديان الباذان شمال شرق نابلس، حيث تتجمع مياه الينابيع، تُمارس حرفة القصب منذ أجيال داخل الورش العائلية: يجمع الرجال القصب ويعدّونه، وتنسج النساء منه السلال والحصر والأوعية، ويتعلم الأطفال بالمشاهدة والممارسة.

لكن هذه الحرفة أيضًا في خطر. فبحسب توثيق أعدّته الباحثة سعاد عويس بتكليف من اليونسكو وبالتعاون مع وزارة الثقافة الفلسطينية، تواجه الحرفة تراجع اهتمام الشباب، ومنافسة المنتجات الصناعية، وضعف العائد، وتلوث المياه الذي يهدد مناطق نمو القصب نفسها.

التفنيش يصنع الجمال

في ورشة حاتم، بعد التجميع تأتي المرحلة التي يعدّها الأهم: التفنيش، بما فيه من ربطات وزخارف. يقول: "أي قطعة من دون تفنيش لا تساوي شيئًا. التفنيش هو الذي يجمّلها ويضبطها ويزخرفها، ويمنحها الجمال والقوة معًا".

وهذه المرحلة تحديدًا تعمل فيها شابات الورشة. ويلخص حاتم معادلة الحرفة اليدوية: "كلما أنتجت أكثر بيدك كان العائد أفضل، وكلما تأخر الإنتاج ارتفعت الكلفة وقلّ العائد".

مهد يتنقل مع العائلة

في معرض "أيادٍ خالدة"، يعيد حاتم تخيّل أحد أقدم أشكال الحرفة، مهد الطفل، بوصفه قطعة ترافق العائلة وتتحرك معها. يقول: "المهد كان موجودًا عندنا ونعمل عليه، لكننا طوّرناه".

فسلة المهد المنسوجة يدويًا والمزوّدة بغطاء تنفصل عن قاعدتها ذات العجلات لتصبح أرجوحة أرضية، "نضعها على الأرض ونهزها، لنمنح الطفل الراحة والأمان"، فيما توفر القاعدة رفًا مفتوحًا لحفظ مستلزمات الطفل الأساسية. ويبلغ وزن المهد نحو ستة كيلوغرامات موزعة على جزأين، فتستطيع الأم أن تحمله أو تدفعه وحدها من غرفة إلى أخرى، وقد صُمم ليرافق الطفل في عامه الأول.

وعلى خلاف مهود الخيزران التقليدية الثابتة، يتحول هذا المهد ويتأرجح ويتنقل، بينما صُنعت كل وصلة وكل ضفيرة فيه باليد بالكامل.

أربعة أبناء على الطريق

حين سُئل حاتم إن كان قد علّم أحدًا من أولاده، لم يتردد: "علّمت أولادي الأربعة. منهم من أحب الصنعة ومنهم من لم يحبها، لكن الأربعة يعملون فيها".

وفي جملته هذه ما يختصر الفرق بين حرفة تموت مع صاحبها وحرفة تجد من يحملها. فالرجل الذي تعلّم الخيزران مصادفة من حرفي غزّي، وأعاد كرسيًا قيل إنه مات، يقف اليوم في ورشة يعمل فيها أبناؤه، وشبان وشابات تدربوا عنده وبقوا معه.

مواضيع ذات صلة