الرئيسية » الاخبار الرئيسية » أقلام اقتصادية »
 
27 كانون الثاني 2026

توريد نصف مليون أسطوانة خلال أيام: أزمة الغاز ليست في الكميات إنما في إدارة الازمات

بقلم: عماد الرجبي
صحفي اقتصاد

بوابة اقتصاد فلسطين

أخذت أزمة الغاز حيزا واسعا من اهتمام الشارع الفلسطيني خلال الأسابيع الماضية، في ظل نقص ملحوظ في السوق وارتفاع حاد في الطلب، ما أعاد إلى الواجهة إشكالية إدارة الأزمات التموينية في بيئة سياسية واقتصادية هشة.

ووفق مصادر متعددة تحدثت لموقع بوابة اقتصاد فلسطين، فإن جذور الأزمة لا تعود إلى خلل داخلي بحت، بل إلى قرار إسرائيلي بخفض كميات الغاز الموردة إلى الضفة الغربية لمدة تقارب الأسبوعين، على خلفية ظروف جوية قاسية ومخاوف أمنية مرتبطة باحتمال توجيه ضربة أمريكية لإيران، وهو ما انعكس مباشرة على انتظام سلاسل التوريد.

ورغم إدخال كميات وُصفت بالقياسية إلى السوق الفلسطينية لاحقا، فإن الأزمة لم تنته بالسرعة المتوقعة. السبب الأساسي، بحسب المصادر، لم يكن نقص التوريد بقدر ما كان الطلب المفرط الناتج عن الهلع؛ إذ اندفع المواطنون إلى تعبئة جميع الأسطوانات المتوفرة لديهم، والتي قد تصل في بعض المنازل إلى خمس أسطوانات، بدل الاكتفاء بأسطوانة أو اثنتين، ما خلق اختناقًا مصطنعًا في نقاط التوزيع.

الرواية الرسمية: وفرة في الكميات… واختلال في السلوك

رسميا، أكدت هيئة البترول الفلسطينية أن الأزمة في طريقها للحل الكامل مع نهاية الأسبوع الجاري أو بداية الأسبوع المقبل على أبعد تقدير. وقال رئيس الهيئة مجدي الحسن، في بيان صادر عن مركز الاتصال الحكومي، إن كميات الغاز التي تم توريدها خلال الأيام العشرة الأخيرة تجاوزت 400 ألف أسطوانة، وهو أعلى رقم مقارنة بالفترات السابقة. فيما الكمية ارتفعت منذ صدور البيان وقد تزيد اليوم عن نصف مليون اسطوانة.

وأوضح الحسن أن وتيرة التوريد اليومية تراوحت بين 550 و600 طن، وهو معدل يفوق الاحتياج الطبيعي للسوق ويغطي الطلب القائم وزيادته، مؤكدًا أن إمدادات غاز الطهي متوفرة وبكميات كافية، وأن أي نقص موضعي ناتج عن التهافت غير المبرر على الشراء والتخزين، لا عن خلل في التوريد أو التوزيع.

لماذا لم يهدأ السوق؟

رغم هذه الأرقام، بقي السؤال الجوهري: لماذا لم تنجح الطمأنة الرسمية في تهدئة السوق؟

الجواب يكمن في إدارة الأزمة لا في حجم الكميات. فقد برز تباين واضح في التصريحات بين هيئة البترول ونقابة أصحاب محطات الغاز؛ ففي الوقت الذي أكدت فيه الهيئة وفرة التوريد، تحدثت النقابة عن نفاد الكميات من المحطات، ما خلق فجوة في الخطاب الرسمي وأربك ثقة المواطنين.

العامل الثاني تمثل في غياب التدخل الحكومي المباشر لضبط السوق. ووفق متابعة بوابة اقتصاد فلسطين، اقتصر دور وزارة الاقتصاد على مراقبة الأسعار والجودة واستقبال الشكاوى، دون إجراءات تنظيمية أكثر فاعلية. ورغم استمرار الأزمة، لم تشهد أسعار الغاز ارتفاعا رسميا، مع تسجيل تجاوزات محدودة كبيع الأسطوانة كاملة أو رفع السعر في بعض الحالات الفردية، إلا أن الالتزام العام بالتسعيرة الصادرة عن هيئة البترول بقي قائما.

وتشير معلومات حصل عليها الموقع إلى أن تردد الحكومة في التدخل كان نابعا من خشية أن يؤدي أي إجراء استثنائي إلى تعميق مخاوف المواطنين وتسريع وتيرة التخزين، خاصة في ظل استمرار التوريد وارتفاعه. غير أن هذا الرهان لم ينجح؛ إذ فاق أثر الخوف أثر الكميات، وتحولت الأزمة من مشكلة إمداد إلى أزمة ثقة وسلوك استهلاكي.

أرقام تكشف المفارقة

بحسب التصريحات الرسمية، يحتاج السوق الفلسطيني في الظروف الطبيعية إلى نحو 317 طنًا يوميا من الغاز، وترتفع الحاجة في فترات البرد القارس إلى قرابة 400 طن. في المقابل، بلغ التوريد خلال الأزمة نحو 600 طن يوميا، ما يعني أن السوق تلقى كميات تفوق حاجته الفعلية، لكن دون أن ينعكس ذلك استقرارًا فعليًا.

أزمة غاز أم أزمة حوكمة؟

تكشف أزمة الغاز الأخيرة أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في السيطرة على سلاسل التوريد، بل في إدارة الخوف الجماعي في مجتمع يعيش تحت ضغط سياسي واقتصادي دائم. ففي الاقتصاد، لا تتحرك الأسواق بالأرقام وحدها، بل بالتوقعات والانطباعات والثقة.

ما جرى يطرح سؤالا أعمق على صانع القرار: هل نمتلك أدوات اتصال وإدارة أزمات قادرة على تحويل "الوفرة الرقمية في التوريد" إلى وفرة أمان في وعي المواطن ؟ أم أننا ما زلنا نتعامل مع الأزمات بعقلية فنية، بينما جوهرها نفسي واجتماعي بامتياز؟

في الحالة الفلسطينية، يبدو أن الغاز لم ينقص بقدر ما نقصت استراتيجية موحدة تجمع بين المعلومة، والقرار، والخطاب العام. وهي فجوة، إن لم تُعالج، قد تتكرر في أزمات قادمة، بسلع مختلفة… وبقلق واحد.

هل تتفق مع ما جاء في هذا المقال؟