المئة شخص الذين حوّلوا ويكيبيديا إلى سلاح ضد إسرائيل

منذ إطلاقها عام 2001، قدّمت ويكيبيديا نفسها باعتبارها مشروعًا إنسانيًا مفتوحًا يهدف إلى إتاحة المعرفة مجانًا، وفق مبادئ الشفافية، والمرجعية، والحياد. غير أن أبحاثًا وتقارير متراكمة تكشف أن هذا النموذج، خاصة في القضايا السياسية الحساسة، بات عرضة لتلاعب منظم، يُعيد تشكيل السرديات التاريخية والسياسية، وعلى رأسها ما يتعلق بإسرائيل والصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
تحريف المفاهيم الأساسية
يُظهر تتبع مداخل ويكيبيديا الإنجليزية أن مفاهيم مركزية مثل “الصهيونية” و“إسرائيل” و“حماس” تخضع لصياغات لغوية مثيرة للجدل. فعند البحث عن “الصهيونية”، تُقدَّم الحركة على أنها مشروع سعى إلى إقامة دولة يهودية بأكبر مساحة وأقل عدد ممكن من الفلسطينيين العرب. أما في مدخل “إسرائيل”، فتُوصف العمليات العسكرية بعد 7 أكتوبر بأنها “إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة”، مع إحالة القارئ إلى مقالة كاملة تتبنى هذا التوصيف.
في المقابل، يُعرّف مدخل حماس بأنها حركة سياسية ذات جناح عسكري، بينما يرد ذكر أحداث 7 أكتوبر بصورة هامشية، وتُؤجَّل الإشارة إلى تصنيفها كمنظمة إرهابية إلى الفقرة الأخيرة من المقدمة، مع عرض الأمر على أنه توصيف تتبناه “بعض الدول”.
هيمنة محررين مخضرمين
رغم أن ويكيبيديا تقوم نظريًا على مبدأ “أي شخص يمكنه التحرير”، إلا أن الصفحات المتعلقة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني مصنّفة كقضايا خلافية، ولا يُسمح بتحريرها إلا لمحررين ذوي خبرة وأقدمية. وتكشف الأبحاث أن هذا القيد أسهم في تركيز السلطة التحريرية بيد مجموعة صغيرة من المحررين المخضرمين.
مصطلح "مجموعة الأربعين" برز لوصف نحو 40 محررًا نفذوا ما يقارب مليون تعديل على نحو 10 آلاف مدخل بين عامي 2022 و2024، أعادوا خلالها صياغة عرض إسرائيل على المنصة. إلا أن دراسات أحدث تشير إلى أن العدد الحقيقي يتجاوز 100 محرر وناشط، يعملون بشكل منهجي ضمن بيئة أيديولوجية مشتركة.
أنماط عمل وتنسيق
بحسب الباحثة الدكتورة شلوميت لير، أستاذة سياسات المعرفة في جامعة حيفا ومحررة سابقة في ويكيبيديا، فإن تحليل أنماط التحرير كشف سلوكًا متكررًا يتمثل في:
• حذف أو تهميش السياق الأمني والتهديدات الإرهابية.
• تغيير المصطلحات من “منظمة إرهابية” إلى “حركة مقاومة” أو “جماعة مسلحة”.
• حذف أو تقليل توثيق أحداث 7 أكتوبر فور وقوعها.
• إعادة صياغة تاريخية تُظهر إسرائيل ككيان استعماري عنصري معزول عن سياق معاداة السامية الأوروبية.
وتشير لير إلى أن بعض المحررين يعملون لساعات طويلة يوميًا، بما يشبه “نوبات عمل”، وأن نشاطهم لا يبدو عشوائيًا بل متسقًا عبر عشرات الصفحات.
بيئة طاردة للمحررين المخالفين
التحقيق يرصد شهادات لمحررين يهود ومؤيدين لإسرائيل تحدثوا عن بيئة عدائية داخل ويكيبيديا الإنجليزية. فالمحرر الذي يحاول تعديل صياغة معينة يواجه استرجاعات فورية للتعديل، وانتقادات حادة، وتهديدات بالحظر. بعضهم مُنع فعليًا من التحرير بعد سنوات من التطوع، وآخرون تحدثوا عن ضغط نفسي شديد دفعهم للتوقف عن المشاركة.
إحدى الباحثات وصفت التجربة بأنها أقرب إلى “مراقبة دائمة”، حيث يجري التدقيق في منشوراتهم على منصات أخرى، ويُستخدم ذلك ضدهم في لجان الانضباط داخل ويكيبيديا.
ويكيبيديا والذكاء الاصطناعي
الخطر، وفق الخبراء، لا يقتصر على ويكيبيديا كموسوعة، بل يمتد إلى كونها قاعدة بيانات مركزية تُستخدم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. ومع اعتماد هذه النماذج على ويكيبيديا كمصدر موثوق، فإن أي تحيز بنيوي في المحتوى يُعاد إنتاجه رقميًا على نطاق أوسع، ما يعني ترسيخ سردية واحدة في أنظمة توليد المعرفة المستقبلية.
اعتراف من المؤسس
حتى مؤسس ويكيبيديا جيمي ويلز أقرّ بوجود خلل. فقد كتب أن مقالة “الإبادة الجماعية في غزة” لا تفي بسياسة الحياد، لأنها تعرض توصيفًا واحدًا كحقيقة قائمة دون الإشارة إلى الخلاف القانوني والسياسي حوله. وأكد أن المقالة تحتاج إلى إعادة صياغة تعكس تعدد الآراء، مع الإشارة إلى الجهات التي تتبنى أو ترفض هذا الوصف.
تحقيقات وضغوط سياسية
في الولايات المتحدة، أعلن أعضاء جمهوريون في مجلس النواب عن فتح تحقيق في طريقة عمل ويكيبيديا، معتبرين أنها تُسهم في ترسيخ تحيز معرفي. كما أثير جدل واسع بعد تصنيف رابطة مكافحة التشهير ADL كمصدر “غير موثوق” في القضايا المتعلقة بالصراع، رغم اعتبارها مصدرًا موثوقًا في قضايا معاداة السامية.
ما الذي يُقترح؟
قدّمت الدكتورة لير عدة توصيات، أبرزها:
• تقليص إخفاء الهوية ورفع مستوى المساءلة.
• إنشاء هيئات بحثية مستقلة لرصد التحيز.
• إعطاء أولوية للمصادر الأكاديمية المحكمة.
• تدريب محررين جدد لضمان التعددية.
• تطوير أدوات ذكاء اصطناعي لرصد اللغة المتحيزة.
ما يجري على ويكيبيديا، وفق هذا التحقيق، لا يندرج ضمن “أخطاء تحريرية” معزولة، بل يعكس صراعًا على المعرفة والسرد، في منصة تُعد من أكثر مصادر المعلومات تأثيرًا عالميًا. وفي ظل انتقال المعرفة من الموسوعات إلى نماذج الذكاء الاصطناعي، تتحول معركة التحرير إلى معركة على كتابة التاريخ ذاته.
مترجم عن غلوبس