الرئيسية » الاخبار الرئيسية » آخر الأخبار » أقلام اقتصادية »
 
08 آذار 2026

اقتصاد بلا نصفه المنتج.. الفجوة الجندرية كخسارة تنموية صامتة

بقلم: حسناء الرنتيسي
صحفية اقتصادية

 

للأرقام الاقتصادية قدرة فريدة على إخفاء الحقيقة بقدر ما تكشفها. فهي تبدو في ظاهرها محايدة وباردة، لكنها في جوهرها تحمل تشريحاً كاملاً لبنية الاقتصاد والمجتمع معاً. وحين تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن النساء يشكّلن 49% من السكان، أي نحو 2.71 مليون امرأة، فإن هذا الرقم لا يعبّر عن توازن ديموغرافي فحسب، بل يكشف في الوقت ذاته عن نصف طاقة إنتاجية كامنة لا تزال خارج الدورة الاقتصادية.

تكمن المفارقة في أن هذه الطاقة المعطَّلة تظهر بوضوح في لحظة يحتاج فيها الاقتصاد الفلسطيني إلى كل مورد بشري ممكن. فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي عام 2024 بنحو 28%، في واحدة من أشد الصدمات الاقتصادية التي عرفتها الأراضي الفلسطينية منذ عقود. وفي اقتصاد يتراجع بهذا العمق، يصبح استبعاد نصف رأس المال البشري من سوق العمل ليس مجرد خلل اجتماعي، بل اختلال اقتصادي مباشر يحدّ من القدرة على التعافي والنمو.بعبارة أخرى الاقتصاد الفلسطيني يعمل اليوم بنصف قدرته الممكنة.

حين يتحول العمل إلى ضرورة للبقاء

في قطاع غزة تتخذ هذه المعادلة بعداً أكثر حدة. فالحرب لم تترك آثارها على البنية التحتية وحدها، بل أعادت تشكيل بنية الأسر أيضاً. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 57 ألف امرأة أصبحن المعيل الوحيد لأسرهن بعد فقدان الأزواج أو المعيلين. هنا لم يعد العمل خياراً مهنياً أو مساراً لتحقيق الذات، بل تحوّل إلى شرط للبقاء الاقتصادي.

هذه الحقيقة تطرح سؤالاً اقتصادياً مباشراً. كيف يمكن لاقتصادٍ منهك أن يستوعب هذا العدد من النساء الباحثات عن مصدر دخل؟ وكيف يمكن لهن دخول سوق عمل لم يُصمَّم تاريخياً لاستيعابهن؟

النتيجة واضحة في البيانات. جزء كبير من الطاقة البشرية يبقى خارج النشاط الاقتصادي الفعلي، ليس بسبب نقص الكفاءة أو التعليم، بل نتيجة بنية سوق عمل لا تزال مغلقة أمام النساء بدرجات مختلفة.

18.6% رقم يكشف خللاً هيكلياً

تقدم بيانات سوق العمل في الضفة الغربية صورة دقيقة لهذا الخلل. ففي الربع الرابع من عام 2025 لم تتجاوز نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة 18.6%، مقابل 71.5% للرجال. هذا الفارق يعني عملياً أن الرجال يشاركون في النشاط الاقتصادي بما يقارب أربعة أضعاف مشاركة النساء.

هذا ليس مجرد تباين إحصائي. إنه مؤشر مباشر على خلل بنيوي في توزيع الفرص الاقتصادية داخل المجتمع. اقتصاد يعتمد في حركته الإنتاجية على شريحة واحدة تقريباً من السكان لا يمكن أن يحقق أقصى طاقته الإنتاجية.

ويتضح هذا الخلل بصورة أكثر حدة عند النظر إلى البطالة بين الخريجات الجامعيات. نحو 30% من النساء الحاصلات على شهادات جامعية لا يجدن عملاً. أي أن جزءاً كبيراً من الاستثمار التعليمي الذي تتحمله الأسر والمجتمع لا يتحول إلى إنتاج اقتصادي فعلي. بمعنى آخر، رأس المال البشري النسوي يتكدس خارج سوق العمل.

المفارقة الأشد أن هذا الواقع يتزامن مع ارتفاع مستويات التعليم بين النساء. فالفجوة التعليمية التي كانت سائدة قبل عقود تقلصت بشكل كبير، لكن الفجوة الاقتصادية بقيت واسعة. هذا التباين بين التعليم والعمل يشير بوضوح إلى وجود حواجز هيكلية داخل سوق العمل، لا تتعلق بالكفاءة بل بالبنية المؤسسية والثقافية التي تنظم الوصول إلى الفرص.

قطاعات محدودة وسقف اقتصادي منخفض

حين نحلل توزيع النساء العاملات على القطاعات الاقتصادية يظهر نمط واضح من التركز المهني. إذ تعمل نسبة كبيرة منهن في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية. هذه القطاعات توفر درجة من الاستقرار الوظيفي، لكنها في المقابل محدودة من حيث الأجور وفرص التقدم نحو المناصب القيادية.

في المقابل، يعمل عدد كبير من النساء في الزراعة ضمن أنشطة موسمية أو عائلية غير مسجلة رسمياً. هذا النوع من العمل لا يظهر غالباً في الإحصاءات الاقتصادية ولا يمنح العاملات حقوقاً اجتماعية مثل التأمين أو التقاعد.

كما تعمل نسبة من النساء في قطاع التجارة والخدمات المنزلية حيث الأجور منخفضة والحماية القانونية محدودة. في مثل هذه الظروف يصعب على المرأة بناء سجل مالي أو ائتماني يمكنها لاحقاً من الحصول على تمويل أو إطلاق مشروع اقتصادي مستقل.

أما في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية مثل التكنولوجيا أو الإدارة العليا، فيظل الحضور النسوي محدوداً للغاية. وهي مفارقة اقتصادية واضحة، لأن هذه القطاعات هي التي تقود الابتكار والنمو في الاقتصادات الحديثة.

غياب النساء عن مواقع القرار الاقتصادي

تصل الفجوة الجندرية إلى أقصى درجاتها عند قمة الهرم الاقتصادي. ففي الوقت الذي تشكل فيه النساء نحو 19% من أعضاء الجهاز القضائي، وهو مؤشر على تقدم نسبي في مؤسسات الدولة، لا يتجاوز تمثيلهن في مجالس إدارات الغرف التجارية 1%.

هذا الرقم الصغير يحمل دلالة اقتصادية كبيرة. إذ يعني أن القرارات المتعلقة بالاستثمار والتجارة وتوجيه رأس المال تُتخذ في بيئة يغيب عنها تقريباً نصف المجتمع.

اقتصاد تُصاغ سياساته بعين واحدة فقط يفقد جزءاً مهماً من قدرته على الابتكار والتنوع في اتخاذ القرار.

العوائق غير المرئية

تقف خلف هذه الفجوة منظومة من العوائق المركبة. أولها ما يُعرف بالسقف الزجاجي، وهو مجموعة من الحواجز غير المرئية التي تنشأ من التحيزات الثقافية وشبكات العلاقات المهنية المغلقة.

كما تتحمل النساء عبئاً مزدوجاً بين العمل المأجور والعمل المنزلي غير المدفوع. إدارة شؤون الأسرة وتربية الأطفال تمثل اقتصاداً خفياً يستهلك وقت النساء ويحد من فرص تقدمهن المهني.

وتظهر بيانات وزارة شؤون المرأة استمرار فجوة الأجور، إذ تتقاضى النساء في بعض القطاعات ما بين 60% و80% من أجر الرجل مقابل العمل ذاته.

إلى جانب ذلك، يؤدي ضعف الشمول المالي إلى تقييد قدرة النساء على تأسيس مشاريع اقتصادية. فقلة تسجيل الأصول مثل الأراضي والعقارات بأسمائهن تقلل فرص الحصول على قروض أو تمويل مصرفي.

كما أن انتشار العمل غير المنظم بين النساء يحرم كثيرات منهن من سجل وظيفي رسمي يمكن البناء عليه مهنياً.

الاقتصاد الفلسطيني في سياق دولي

عند وضع هذه الأرقام في سياق المقارنة الدولية يتضح حجم الفجوة. ففي الدول الإسكندنافية تصل مشاركة النساء في سوق العمل إلى ما بين 70% و80%. ويبلغ المتوسط العالمي نحو 47%.

في بعض الدول العربية مثل تونس والمغرب تتراوح النسبة بين 25% و28%. أما في الضفة الغربية فتقف عند 18.6% فقط، وهو مستوى منخفض حتى بالمقاييس الإقليمية.

وتشير تقارير دولية إلى أن تحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين في سوق العمل قد يحتاج عالمياً إلى أكثر من قرن. وفي سياق اقتصادي وسياسي هش مثل الحالة الفلسطينية قد يستغرق الأمر زمناً أطول ما لم تُعتمد سياسات واضحة لمعالجة الفجوة.

27% طاقة اقتصادية كامنة

رغم قتامة الصورة، تكشف الأرقام نفسها عن فرصة اقتصادية كبيرة. تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن زيادة مشاركة النساء في الاقتصاد يمكن أن ترفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 27%.

هذا الرقم يوضح ببساطة حجم الطاقة الاقتصادية غير المستغلة. كل زيادة في مشاركة النساء تعني قوة عمل أكبر، إنتاجية أعلى، ودخلاً إضافياً للأسر.

تمكين المرأة في هذه الحالة ليس قضية مساواة اجتماعية فقط، بل سياسة اقتصادية مباشرة لتعزيز النمو.

خطوات واضحة يمكن أن تغير المعادلة. زيادة تمثيل النساء في مجالس إدارة الشركات والغرف التجارية، تطبيق صارم لقوانين العمل لضمان العقود الرسمية والمساواة في الأجور، وتوسيع برامج دعم المشاريع التي تقودها النساء، خصوصاً في غزة حيث أصبح العمل النسوي جزءاً من منظومة الصمود الاقتصادي.

لكن النقاش حول مشاركة المرأة في الاقتصاد الفلسطيني يجب أن يتجاوز فكرة “المساواة الشكلية”. فالمساواة الرقمية بين الرجل والمرأة في سوق العمل لا تعني بالضرورة تحقيق العدالة الاقتصادية. نقطة الانطلاق ليست واحدة أصلاً.

المرأة تدخل سوق العمل وهي تحمل عبئاً اجتماعياً واقتصادياً لا يظهر في الحسابات التقليدية للنمو. مرحلة تكوين الأسرة، والحمل، والولادة، ورعاية الأطفال، تشكّل دورة زمنية تمتد في المتوسط قرابة عقد كامل من حياتها المهنية. خلال هذه السنوات يتقدم الرجل مهنياً بلا انقطاع تقريباً، بينما تتباطأ قدرة المرأة على تراكم الخبرة والترقي والتدريب. النتيجة أن المنافسة تبدأ عملياً من موقعين مختلفين تماماً.

لهذا السبب، فإن الاكتفاء بمبدأ المساواة المجردة لا ينتج عدالة حقيقية. العدالة الاقتصادية تقتضي الاعتراف بأن المرأة تؤدي وظيفة اجتماعية أساسية لا تقل قيمة عن الإنتاج في السوق، بل تتجاوزه أهمية. فهي التي تنجب الأجيال وتقوم بتنشئتها، أي أنها تسهم مباشرة في إعادة إنتاج رأس المال البشري الذي يقوم عليه المجتمع والاقتصاد معاً.

من هنا تصبح الحاجة إلى سياسات تمييز إيجابي أمراً منطقياً لا استثنائياً. إعطاء النساء أولوية في التدريب القيادي، وبرامج التطوير المهني، والتمثيل في مجالس الإدارة والغرف التجارية، ليس امتيازاً رمزياً، بل آلية لتعويض سنوات الانقطاع التي فرضها الدور الأسري. إنها محاولة لإعادة التوازن إلى سباق مهني لم يبدأ من خط واحد أصلاً.

الاقتصاد الذي يريد أن يستفيد من كامل طاقته البشرية لا يستطيع الاكتفاء بالمساواة الشكلية. ما يحتاجه فعلياً هو نظام فرص يعترف باختلاف المسارات ويعيد توزيع الفرص بما يحقق عدالة حقيقية. حين يحدث ذلك فقط، لن يكون وصول المرأة إلى مواقع القرار الاقتصادي استثناءً إحصائياً، بل نتيجة طبيعية لاقتصاد يفهم أن بناء الأسرة وبناء السوق ليسا مسارين متعارضين، بل ركيزتين لنهضة مجتمع واحد.

 

 

كلمات مفتاحية::
هل تتفق مع ما جاء في هذا المقال؟