قوة الشيكل في زمن القنابل
بوابة اقتصاد فلسطين
هل تتخيل أن عملة دولة في خضم حرب تشنها على عدة جبهات تكون أقوى من الدولار؟ هذا ما يحدث بالضبط. منتصف نيسان الجاري، الشيكل الإسرائيلي سجل سعر تاريخي لم يره منذ تشرين الأول 1995. البنك المركزي حدد السعر التمثيلي عند 3.014 شيكل للدولار، لكن التداول الفوري بين البنوك هبط إلى 2.9967 شيكل. الرقم صغير، لكنه أحدث صدمة في كل القطاعات. فخلال عام واحد فقط، ارتفع الشيكل بنسبة تزيد عن 18.8%. ومنذ بداية 2025، قفز أكثر من 20%. إنه يتفوق على معظم العملات الرئيسية، رغم أن إسرائيل تنفق مليارات على الحروب، ورغم عجز حكومي متوقع عند 5.3% من الناتج المحلي.
هذا الأداء يطرح سؤال محير. كيف يحافظ الشيكل على قوته في ظل حرب مستمرة على إيران ولبنان وغزة واليمن؟ وكيف يفعل ذلك مع تكاليف عسكرية قياسية وجمود في السياحة والإنشاءات؟
الإجابة ليست فقط في ضعف الدولار العالمي. صحيح أن مؤشر الدولار DXY تراجع بنحو 2.8% في الأشهر الأخيرة. لكن الشيكل تفوق على هذا الرقم بفارق واضح. فقد ارتفع بنسبة 3.5% مقابل سلة عملات الشركاء التجاريين في الربع الرابع من 2025 وحده. لنقارن بعملات أخرى: اليورو تراجع أمام الدولار بنحو 1.2% في نفس الفترة، والجنيه الإسترليني هبط 0.9%، والين الياباني فقد 2.5%. أما الشيكل فصعد بقوة.
المحرك الأول هو انكماش "علاوة المخاطر". ببساطة، علاوة المخاطر هي السعر الإضافي الذي يطلبه المستثمرون للاستثمار في دولة غير مستقرة. عندما تنخفض، يعني ذلك أنهم أصبحوا أقل خوفا. وقد تراجعت فروقات العوائد على سندات إسرائيل مقابل سندات الخزانة الأمريكية. كما انخفضت عقود "مبادلة الائتمان الافتراضي (CDS)". الـCDS هو عقد تأمين ضد تخلف دولة عن سداد ديونها. عندما ينخفض سعره، يعني أن السوق يثق أكثر. وقد عادت هذه العقود إلى مستويات ما قبل الحرب.
وكالة S&P رفعت توقعاتها الائتمانية إلى "مستقرة". هذا شجع تدفقات رأسمالية أجنبية بلغت نحو 39 مليار دولار في 2025. منها 26 ملياراً استثمارات مباشرة. صفقات كبرى مثل استحواذ ServiceNow على Armis بـ7.75 مليار دولار عززت الطلب على الشيكل.
من الناحية النقدية، أبقى البنك المركزي الإسرائيلي سعر الفائدة عند 4% في آذار 2026. وهذا يفوق مسار التيسير الأمريكي. ويدعم عمليات "الكاري تريد" (وهو الاقتراض بعملة منخفضة الفائدة للاستثمار في عملة مرتفعة الفائدة)، وهذا يصب لصالح الشيكل.
احتياطيات النقد الأجنبي بلغت 228.271 مليار دولار نهاية آذار 2026. أي ما يعادل 37.2% من الناتج المحلي. هذا مستوى يسمح بتدخل محدود جداً في سوق الصرف. ففي فترات الحروب السابقة، لم يبع البنك المركزي سوى 64 مليون دولار فقط.
بمقارنة بسيطة مع الماضي: في الحرب على لبنان عام 2006، خسر الشيكل نحو 7% من قيمته في ثلاثة أشهر. أما اليوم، فالعملة تقوى رغم أن الحرب أطول وأوسع. الفرق أن الاقتصاد الإسرائيلي أصبح يعتمد بشكل اكبر على قطاعات لا تتأثر مباشرة بالقتال، مثل التكنولوجيا والغاز.
قطاع الصادرات الامنية والعسكرية يحقق أرقام قياسية. صادرات الأسلحة بلغت 14.795 مليار دولار في 2024، بارتفاع 13% عن 2023. أكثر من 50% من الصفقات ذهبت إلى دول أوروبية مثل ألمانيا. أما الغاز الطبيعي، فتعزز باتفاق مع مصر بقيمة 35 مليار دولار لتوريد 130 مليار متر مكعب حتى 2040. التكنولوجيا جذبت 15.6 مليار دولار تمويل خاص في 2025، مقارنة بـ12.2 مليار في 2024. صفقات في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني قادت الزخم. كل هذه التدفقات أوصلت فائض الحساب الجاري إلى 8.5 مليار دولار في 2025.
وهنا التناقض الذي يثير الدهشة. حكومة تعاني عجز مالي ضخم بسبب الإنفاق الحربي. وفي نفس الوقت، قطاع خاص يحقق فائض في الحساب الجاري. فكيف يجتمعان؟ العجز المالي هو ميزانية الحكومة: ضرائب أقل وإنفاق أكثر على الجيش. أما فائض الحساب الجاري فهو ميزان التجارة والاستثمار مع الخارج: صادرات وافدة وتدفقات رأس مال داخلة. كأنك ترى رجلاً غارق في ديون بطاقته الائتمانية، لكن جيبه الخاص ممتلئ بالعملات الأجنبية. هذا ممكن لأن الدولة ليست كيان واحد: الحكومة تقترض، بينما شركات التكنولوجيا والغاز تجني الأموال من الخارج. ونتيجة صافية، الشيكل لا يهتم بعجز الحكومة بقدر اهتمامه بتدفقات القطاع الخاص.
توقعات البنك المركزي الأساسية تفترض انتهاء القتال نهاية نيسان. عندها سينمو الاقتصاد 3.8% في 2026، مع تضخم 2.2% وبطالة 4.5%.
أما مستقبل سعر الصرف، فبحسب نماذج بنك إسرائيل وغولدمان ساكس وUBS، هناك ثلاثة سيناريوهات. السيناريو الأساسي يشير إلى استقرار الشيكل بين 2.92 و3.08 للدولار بنهاية 2026، مع احتمال مركزي عند 3.00 إذا استمرت التهدئة ونما الناتج 3.8%. السيناريو الإيجابي يفترض انخفاضاً إضافياً إلى 2.85-2.95، شرطه استمرار التدفقات فوق 35 مليار دولار سنوياً وانخفاض علاوة المخاطر دون 80 نقطة أساس. أما السيناريو السلبي فيتوقع ضغط تصاعدي إلى 3.25-3.45، شرطه عودة الحرب أو تباطؤ النمو العالمي دون 3.1%.
ولكن مع هذه القوة، هناك تأثيرات جانبية مهمة. الشيكل القوي يضعف تنافسية الصادرات غير العسكرية، وقد يؤذي قطاعات مثل الصناعات الغذائية والدوائية. كما يرفع تكاليف الإنتاج بالشيكل للشركات التي تصدر. لكنه في المقابل يخفض أسعار الواردات، مما يساعد البنك المركزي على كبح التضخم دون حاجة لرفع الفائدة. إذا تجاوز الشيكل 2.90، فسيتدخل البنك ببيع عملة محدود. لكن الأرجح أن يبقي الفائدة مرتفعة نسبياً لموازنة تدفقات "الكاري تريد". أما الحكومة فستستفيد من انخفاض تكاليف الاقتراض الخارجي لتمويل العجز.
في الختام، قوة الشيكل في زمن الحروب الحالية ليست معجزة، بل توازن دقيق. توازن بين انكماش الخوف الجيوسياسي، وصلابة قطاع خاص لا يهتم بالقنابل بقدر اهتمامه بالأرباح. لكن السؤال الأعمق؛ هل يمكن لعملة أن تظل قوية إلى الأبد، بينما تتصدع الأسس الاجتماعية والبنية التحتية؟ الجواب المؤقت هو "نعم" في دفاتر الاقتصاديين. لكن الجواب الإنساني قد يكون مختلف. فالشيكل ربما يفوز في المعركة، لكن الحرب لم تنته بعد.
المراجع:
بنك إسرائيل: "Foreign Exchange Reserves at the Bank of Israel, March 2026"، 12 نيسان 2026.
Globes English: "Shekel-dollar rate slips below NIS 3"، 15 نيسان 2026.
Globes English: "Shekel at 30-year strongest against dollar"، 12 نيسان 2026.
وزارة الدفاع الإسرائيلية: "Israel Sets New Record in Defense Exports: Over $14.7 Billion in 2024"، 4 حزيران 2025.
Reuters: تقارير صفقة الغاز مع مصر، كانون الأول 2025.
Startup Nation Central: "Israeli Tech Rebounds with $15.6B in Funding"، 22 كانون الأول 2025.
بنك إسرائيل: قرار اللجنة النقدية 30 آذار 2026.
Trading Economics: بيانات الحساب الجاري والاحتياطيات، نيسان 2026.
د. طارق عاشور