هل القاضي يختلف عن الطبيب والمعلم؟ أزمة المستحقات تفتح نقاش العدالة الوظيفية
بوابة اقتصاد فلسطين
عبر مصادر صحفية، علمت مختلف القطاعات بأن الحكومة الفلسطينية تعمل على صرف دفعة مالية للقضاة ووكلاء النيابة بقيمة 5000 شيكل من مستحقاتهم.
الخبر أثار جدلا وغضبا واسعا في الشارع الفلسطيني، خاصة أن الحكومة تؤكد منذ أشهر أنها تعاني من أزمة مالية خانقة نتيجة استمرار اقتطاعات واحتجاز أموال المقاصة الفلسطينية، إلى جانب تراجع الإيرادات المحلية والدعم الخارجي، فيما تفاجأ الموظفون بالإعلان عن صرف دفعة لفئات محددة من المستحقات.
وعلى إثر ذلك، أعلنت نقابة الأطباء التصعيد ضد الحكومة الفلسطينية ووقف أي اتصالات تفاوضية معها، متهمة الحكومة بأنها تنتهج سياسة “الكيل بمكيالين”، ومؤكدة أن الكرة باتت في ملعب الحكومة في كيفية إدارة الأزمة المالية.
وبموازاة ذلك، أُعلن عن احتجاجات وتعليق للدوام لدى موظفي المحاكم الذين لم تشملهم الدفعة، إضافة إلى احتجاجات في جامعة فلسطين التقنية - خضوري، وهي جامعة حكومية، إلى جانب دعوات للتصعيد في قطاع التعليم خاصة في جنوب الضفة الغربية.
الحكومة تلتزم الصمت
اللافت حتى الآن أن الحكومة الفلسطينية لم تصدر أي بيان رسمي يوضح حقيقة صرف هذه الدفعة أو الأسس التي تم اعتمادها، ما فاقم حالة الغضب والاحتقان لدى الموظفين.
هذا الصمت خلق فراغا واسعا في الشارع الفلسطيني، وفتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول طريقة إدارة الأزمة، وما إذا كانت الحكومة قد أخطأت في تقدير حساسية القرار وتوقيته، أو أنها ما زالت تدرس التراجع عنه بعد جس نبض الشارع وردود الفعل.
وفي المقابل، تُطرح سيناريوهات أخرى في الشارع، بينها إمكانية رفع نسبة الراتب قبل العيد في محاولة لامتصاص حالة الغضب، خاصة مع الحديث عن إقرار المحفظة الإلكترونية، دون وجود أي موقف رسمي واضح حتى الآن.
2000 شيكل لكل الموظفين
ويأتي الحديث عن صرف دفعة للقضاة ووكلاء النيابة بعد إعلان وزارة المالية صرف 2000 شيكل لكافة الموظفين العموميين، في ظل تفاقم الأزمة المالية الناتجة عن أزمة المقاصة وتراجع الإيرادات.
ورغم أن ذلك المبلغ يُعد قليلا جدًا مقارنة بحجم الالتزامات المعيشية، إلا أنه خلق حالة من الارتياح النسبي لدى الموظفين، إذ شعر كثيرون أن الحكومة بالفعل تمر بأزمة حقيقية، وأن الجميع يتحمل جزءًا من الضائقة المالية، خاصة مع الحديث عن ترشيد النفقات وتقليص المصاريف الحكومية.
هل القاضي يختلف عن باقي الموظفين؟
أثارت الأنباء المتعلقة بصرف دفعة للقضاة ووكلاء النيابة تساؤلًا مهمًا: هل القاضي يختلف عن باقي موظفي الدولة؟
هذا السؤال برز بوضوح بعد حديث نقابة الأطباء عن سياسة “الكيل بمكيالين”، في وقت يشعر فيه كثير من الموظفين أن الأزمة يجب أن توزع أعباءها بشكل متساوٍ وعادل.
وهنا يبرز سؤال آخر: ما الفرق بين قاضٍ يصدر الأحكام بين الناس، وطبيب يجري عملية لإنقاذ حياة إنسان وهو يواجه ضائقة مالية؟ أو معلم يذهب يوميًا إلى مدرسته وهو مثقل بالديون؟ أو موظف في وزارة يتحمل مسؤوليات مالية وإدارية كبيرة رغم الظروف الصعبة؟ أو صحفي يلاحق القضايا والملفات يوميا بينما يفكر كيف يؤمن احتياجات أسرته؟
الأكيد أنه من حيث القيمة الإنسانية والوظيفة الاجتماعية، فجميعهم يؤدون رسالة عامة ويخدمون المجتمع، سواء كان قاضيًا أو طبيبًا أو معلمًا أو موظفا أو عاملا في أي مؤسسة عامة.
لكن في المقابل، تنظر الدول عادة إلى بعض الوظائف، وعلى رأسها القضاء، باعتبارها مؤسسات سيادية وحساسة تحتاج إلى استقلالية واستقرار، بما في ذلك على المستوى المالي.
وفي الظروف الطبيعية، يحصل القضاء في كثير من دول العالم على امتيازات واستقلالية مالية مرتبطة بطبيعة عمله واستقلال السلطة القضائية. لكن السؤال المطروح اليوم في الحالة الفلسطينية مختلف تمامًا، لأن الأزمة لم تعد أزمة رواتب فقط، بل أصبحت أزمة ثقة وإدارة أزمة.
ففي ظل واقع اقتصادي مستنزف، وموارد محدودة، وضغط مالي غير مسبوق، لم يعد الموظف يسأل فقط عن قيمة ما يتقاضاه، بل عن معيار العدالة في توزيع ما هو متوفر.