الى أي مدى استطاعت إسرائيل الاستغناء عن العمال الفلسطينيين؟

بوابة اقتصاد فلسطين
نشر المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية (مدار) تقريرا حول العمال بعنوان: الى أي مدى استطاعت إسرائيل الاستغناء عن العمال الفلسطينيين؟
وأوضح التقرير أن حرب تشرين الأول/ أكتوبر 2023 شكلت نقطة تحول في بنية سوق العمل الإسرائيلية، حيث أوقفت إسرائيل تشغيل العمال الفلسطينيين بشكل شبه كامل، وبدأت بالتوازي في تنفيذ سياسات تهدف إلى استبدالهم بعمالة أجنبية. اعتمدت هذه السياسات على توسيع استقدام العمال من دول آسيوية وأوروبية شرقية عبر اتفاقيات ثنائية، وإعادة تنظيم قطاعات الإنتاج على أساس هذا التحول. بعد مرور نحو عامين ونصف العام، أصبح من الضروري تقييم هذه الاستراتيجية من منظور سوق العمل الإسرائيلية، وفحص مدى نجاحها في سد الفجوة التي خلفها غياب العمال الفلسطينيين، وتحليل حدودها، وتداعياتها الاقتصادية.
العمالة الفلسطينية عشية الحرب في 2023
اعتمد الاقتصاد الإسرائيلي قبيل الحرب على العمالة الفلسطينية بوصفها جزءًا بنيويًا من سوق العمل. عشية الحرب، بلغت الحصص الرسمية للعمال الفلسطينيين 113,500 عامل، بالإضافة إلى 12,000 عامل من غزة، أي نحو 125,500 تصريح/ حصة فلسطينية. يضاف إلى هذا الرقم هناك حوالى 40-50 ألف عامل فلسطيني آخر عملوا بدون تصاريح (إما عن طريق التهريب أو باستخدام تصاريح غير مخصصة للعمل).
في قطاع البناء تحديدًا، تحولت العمالة الفلسطينية إلى ركيزة أساسية. بين 2008 و2022، انخفضت حصة الإسرائيليين من عمال البناء من 71% إلى 64%، بينما ارتفعت حصة العمال الفلسطينيين من 12% إلى 27%. هذا يعني أن الطلب المتزايد في البناء لم يغطه الإسرائيليون، بل الفلسطينيون أساسًا.
بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر، أوقفت إسرائيل تشغيل معظم العمال الفلسطينيين بذريعة أمنية، مع استثناءات محدودة قررها وزير الدفاع. ضرب هذا المنع قطاعات البناء، والزراعة، والصناعة والخدمات والبنية التحتية. أما في المستوطنات، فتظهر الصورة بشكل مختلف: أعادت إسرائيل جزءًا أكبر من عمال الضفة إلى العمل في المستوطنات مقارنة بالعمل داخل إسرائيل.
خطط استبدال العمال الفلسطينيين بأجانب
مثَّل القرار المركزي في إسرائيل بإيقاف تشغيل العمال الفلسطينيين بشكل شبه كامل بعد 7 أكتوبر، نقطة تحول حادة في بنية العلاقة الاقتصادية مع الفلسطينيين. وبالرغم من أن الخطاب الرسمي قدّم القرار باعتباره استجابة لاعتبارات أمنية مرتبطة بالحرب، فإن قراءة أعمق في سياق التحولات السياسية داخل إسرائيل تشير إلى بعد سياسي أوسع. تاريخيًا، اعتمدت إسرائيل على دمج العمال الفلسطينيين في سوق العمل كأداة لإنتاج نوع من الاستقرار، يقوم على خلق طبقة اجتماعية فلسطينية مرتبطة بالدخل القادم من داخل الاقتصاد الإسرائيلي، ما يعزز مصلحة هذه الفئات في الحفاظ على الهدوء. في المقابل، تعكس السياسات الحالية لليمين الإسرائيلي تحولًا نحو تصور المجتمع الفلسطيني باعتباره كيانًا معاديًا ينبغي ضبطه عبر أدوات الفصل والقوة، مع تقليص مساحات التداخل الاقتصادي.
وقد أدى هذا التحول إلى نشوء أزمة بنيوية في سوق العمل الإسرائيلية، خاصة في القطاعات التي اعتمدت تاريخيًا على العمالة الفلسطينية، ما فرض الحاجة إلى إعادة تصميم سريعة لمصادر العمالة. في هذا السياق، برز التوسع في العمالة الأجنبية كأداة مركزية في السياسة الجديدة. قبل الحرب، بلغ عدد الحصص المخصصة للعمال الأجانب نحو 87,200 مقابل 113,500 حصة للعمال الفلسطينيين من الضفة الغربية، وهو ما يعكس تفوقًا واضحًا للعمالة الفلسطينية في بنية السوق. بعد الحرب، جرى تعطيل هذا التوازن عمليًا، مع تقليص دور العمال الفلسطينيين إلى الحد الأدنى، والاتجاه نحو زيادة حصص العمال الأجانب لتعويض النقص.
تعتمد هذه الاستراتيجية على نظام الاتفاقيات الثنائية مع الدول المصدرة للعمالة، والتي تشكل القناة الأساسية لاستقدام العمال في قطاعات البناء والزراعة والتمريض والفنادق. وتشمل الدول الرئيسة في هذا النظام الصين ومولدوفا وتايلاند وسريلانكا ونيبال والفلبين، مع توجه لتوسيع هذه الشبكة الجغرافية وتقليل الاعتماد على أي مصدر واحد.
في قطاع البناء، الذي يمثل الأولوية القصوى، كان يعمل قبل الحرب نحو 80,000 عامل فلسطيني مقابل 30,000 عامل أجنبي فقط. بعد الحرب، فقد قطاع البناء تقريبًا كل العمالة الفلسطينية ما دفع إلى استقدام عمال أجانب عبر شركات تنفيذ أجنبية وشركات توظيف وسيطة، وهو ما يعكس انتقالًا من نموذج العمالة اليومية الفلسطينية إلى نموذج تعاقدي مؤسسي طويل الأمد شبيه بنظام الكفالة في دول الخليج. في الزراعة، استمر الاعتماد على العمالة الأجنبية مع توسع ملحوظ، خاصة من دول آسيوية مثل تايلاند، في إطار دعم القطاع كركيزة استراتيجية مرتبطة بالمشروع الاستيطاني. أما في قطاعات الصناعة والخدمات، فقد بدأت إسرائيل بإدخال العمالة الأجنبية إلى مجالات لم تكن منظمة سابقًا، بما في ذلك أعمال التنظيف والخدمات منخفضة المهارة، في خطوة تعكس إعادة تشكيل شاملة لبنية سوق العمل.
هل نجحت خطط استبدال العمال الفلسطينيين حتى الآن؟
تعكس آليات التنفيذ المؤسسية التي اعتمدتها إسرائيل بعد الحرب درجة عالية من التعقيد والتشظي، إذ تتوزع عملية إدارة ملف العمالة الأجنبية بين عدة جهات حكومية تشمل وزارة العمل، ووزارة المالية، ووزارة الاقتصاد، ووزارة الخارجية، وسلطة السكان والهجرة، إلى جانب الوزارات القطاعية المختلفة. يكشف هذا التعدد المؤسسي غياب مركز تخطيط موحّد يمتلك رؤية شاملة، رغم وجود توجه استراتيجي واضح نحو استبدال العمالة الفلسطينية. نتيجة لذلك، تتحول عملية التنفيذ إلى مسار بطيء ومتداخل، تتداخل فيه الاعتبارات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية، ما يحدّ من قدرة الدولة على الاستجابة السريعة لاحتياجات السوق.
تقوم آلية إدخال العمال الأجانب على نموذج مركزي تتحكم فيه الدولة بشكل كامل. تحدّد الحكومة الحصص المطلوبة لكل قطاع، ثم تدخل في مفاوضات مع دول المصدر ضمن اتفاقيات ثنائية، لتتولى لاحقًا شركات أو مكاتب توظيف عملية جلب العمال. ويرتبط العامل قانونيًا بصاحب عمل محدد، وهو ما يمنح الدولة قدرة كبيرة على ضبط تدفق العمالة والتحكم في بقائها أو استبدالها. يعزز هذا النموذج السيطرة الإدارية، لكنه في الوقت ذاته يخلق اعتمادًا بيروقراطيًا كثيفًا يبطئ عملية التوظيف الفعلية.
على مستوى الأرقام، يظهر التحول بوضوح. قبل الحرب، بلغ عدد العمال غير الإسرائيليين نحو 265,000 عامل، يشملون الفلسطينيين والعمال الأجانب. بحلول منتصف العام 2024، انخفض هذا العدد إلى نحو 164,000، مع تحول الغالبية إلى عمال أجانب. يعكس هذا الانخفاض الحاد انهيارًا شبه كامل للعمالة الفلسطينية، لكنه يكشف أيضًا عن فجوة لم تتمكن العمالة الأجنبية من سدّها حتى الآن.
في التقييم العملي، يتضح أن المشروع يواجه تحديات كبيرة. فبرغم الزيادة في عدد العمال الأجانب، ما زالت قطاعات رئيسة مثل البناء والبنية التحتية والزراعة تعاني من نقص حاد في اليد العاملة. ويعود ذلك جزئيًا إلى بطء التنفيذ، الناتج عن التعقيد البيروقراطي وتعدد الجهات المشاركة في اتخاذ القرار، إضافة إلى الزمن الطويل اللازم لإبرام الاتفاقيات الدولية وتنظيم عمليات الاستقدام. كما يظهر غياب خطة استراتيجية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار التحولات طويلة الأمد في سوق العمل، حيث تظل السياسات الحالية أقرب إلى إدارة أزمة طارئة منها إلى مشروع إعادة هيكلة مكتمل.
في المحصلة، تقوم الاستراتيجية الإسرائيلية على إقصاء العمالة الفلسطينية، وإعادة بناء سوق العمل عبر استيراد العمالة الأجنبية، وتحويل هذا المجال إلى نظام تديره الدولة بشكل مركزي. إلا أن النتائج حتى الآن تشير إلى نجاح جزئي فقط، حيث تحقق تغيير في مصدر العمالة بدون تحقيق الاستقرار أو الكفاءة التي ميزت الاعتماد السابق على العمال الفلسطينيين.