الرئيسية » أقلام اقتصادية » آخر الأخبار »
 
03 حزيران 2026

ماذا يحدث عندما تطبَّق قواعد المنافسة الحرة في سوق لا يملك حرية كاملة؟

بقلم: اياد مصطفى
باحث اقتصادي

بوابة اقتصاد فلسطين

يطرح صدور قانون المنافسة الفلسطيني رقم 11 لسنة 2025 هذا السؤال بوضوح. فالقانون يمثل خطوة تشريعية مهمة طال انتظارها لتنظيم الأسواق، ومكافحة الاحتكار، وتعزيز المنافسة العادلة. لكنه يضع في الوقت نفسه أدوات الاقتصاد الحديث أمام اختبار فلسطيني خاص: هل تستطيع قواعد المنافسة التقليدية إصلاح سوق تعاني تشوهاته من أسباب تتجاوز سلوك الشركات إلى بنية الاقتصاد ذاته؟

في معظم الدول، تستهدف قوانين المنافسة ممارسات القطاع الخاص، مثل التواطؤ على الأسعار، وتقاسم الأسواق، وإساءة استغلال الوضع المهيمن، ومنع دخول منافسين جدد. أما في الحالة الفلسطينية، فينشأ جزء كبير من اختلالات السوق من قيود سياسية وهيكلية تحد من حركة السلع ورؤوس الأموال والأفراد، وتؤثر مباشرة في بنية المنافسة.

تتعمق هذه الإشكالية بفعل العلاقة الاقتصادية التي أرسى قواعدها بروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994. فالسوق الفلسطيني يعمل داخل غلاف جمركي مقيد، وتخضع معابره وسياسات الاستيراد والتدفق التجاري لقيود لا تملك المؤسسات الفلسطينية السيطرة الكاملة عليها. لذلك لا تظهر بعض الاحتكارات بوصفها ممارسات تجارية داخلية فقط، بل بوصفها نتيجة لندرة البدائل، وحصر خطوط الاستيراد، والاعتماد الكبير على قنوات توريد محدودة.

هنا تظهر حدود القانون. فهو يستطيع ملاحقة التواطؤ المحلي، وإساءة استخدام القوة السوقية، وبعض عمليات التركز الضارة. لكنه لا يستطيع وحده معالجة الاحتكارات العابرة للحدود، أو بناء بدائل استيراد مرنة، أو تحرير الأسعار من قيود المعابر والغلاف الجمركي. ومن هذه الزاوية، لا يعالج قانون المنافسة أسباب المشكلة كلها، بل يتدخل في الجزء الذي يقع داخل نطاقه القانوني والمؤسسي.

تبنى القانون أدوات أساسية في تشريعات المنافسة الحديثة. فقد حظر الاتفاقات الأفقية التي تثبت الأسعار أو تقسم الأسواق، ومنع إساءة استخدام الوضع المهيمن، وأخضع عمليات الاندماج والاستحواذ لرقابة مسبقة. وهذه أدوات ضرورية لحماية المستهلك، وتحسين كفاءة الأسواق، وتشجيع دخول مستثمرين جدد.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق بما يمنعه القانون، بل بما يستطيع التأثير فيه فعلاً.

فالاقتصاد الفلسطيني صغير الحجم، محدود القدرة الإنتاجية، ومكشوف أمام اضطرابات سلاسل التوريد. وفي قطاعات كثيرة لا تنشأ القوة السوقية من تفوق اقتصادي أو كفاءة إنتاجية، بل من محدودية البدائل وصعوبة الوصول إلى الأسواق. لذلك فإن التطبيق الحرفي لقواعد المنافسة، كما تطبق في الاقتصادات الكبيرة والمفتوحة، قد لا ينتج الأثر نفسه في سوق فلسطيني مقيد.

تظهر هذه الإشكالية بوضوح في قضية التركز الاقتصادي. ففي الاقتصادات المتقدمة، تنظر سلطات المنافسة بحذر إلى الاندماجات الكبيرة لأنها قد تقلص المنافسة. أما في الأسواق الصغيرة، فقد تساعد بعض الاندماجات على تحقيق وفورات الحجم، وخفض التكاليف، وتعزيز القدرة على مواجهة المنافسة الخارجية. لذلك لا يكمن التحدي في منع التركز بحد ذاته، بل في التمييز بين تركز يضر بالمنافسة وتركز يعزز الكفاءة الاقتصادية.

الأمر ذاته ينطبق على مفهوم الهيمنة السوقية. فالحصة السوقية المرتفعة لا تعني دائماً وجود ممارسة احتكارية. في سوق صغير، قد تمتلك منشأة حصة كبيرة بسبب ضيق السوق أو محدودية عدد الموردين، لا بسبب سلوك إقصائي. لذلك يحتاج تطبيق القانون إلى تحليل اقتصادي دقيق، لا إلى قراءة رقمية جامدة للحصص السوقية.

وتقدم قطاعات مثل الاتصالات، والطاقة، والأسمنت، واستيراد المواد الأساسية أمثلة واضحة على هذه الخصوصية. ففي هذه القطاعات، ترتبط القوة السوقية بضخامة الاستثمار المطلوب، ومحدودية التراخيص أو الترددات، وارتفاع المخاطر السياسية، وصعوبة إنشاء بدائل تشغيلية. لذلك لا تصلح المعالجة العقابية وحدها. المطلوب تنظيم ذكي للأسعار والجودة ومستوى الخدمة، لا تفكيك قسري قد يؤدي إلى تراجع الاستثمار أو اضطراب الخدمة.

وتبرز فجوة أخرى في الاقتصاد الرقمي. فالتجارة الإلكترونية، ومنصات الدفع، وخدمات التوصيل، والإعلانات الرقمية، وإدارة البيانات، ستصبح خلال السنوات المقبلة جزءاً أساسياً من المنافسة في السوق الفلسطيني. ومع ذلك، لا يزال هذا البعد محدود الحضور في النقاش القانوني والتنظيمي. تجاهل هذا التحول قد يؤخر قدرة سلطة المنافسة على التعامل مع أنماط جديدة من الهيمنة، خصوصاً تلك المرتبطة بالمنصات والبيانات والأسواق الرقمية العابرة للحدود.

غير أن التحدي الأكبر لا يتعلق بالنصوص وحدها، بل بالمؤسسة التي ستطبق القانون. فنجاح أي قانون منافسة يقاس باستقلالية الجهة المنفذة، وكفاءة أدواتها التحليلية، وقدرتها على اتخاذ قرارات مهنية بعيدة عن الضغوط السياسية والاقتصادية. ولا يكفي وجود عقوبات أو مواد قانونية متقدمة إذا لم تتوفر سلطة قادرة على جمع البيانات، وتحليل الأسواق، والتنسيق مع الجهات الناظمة، ونشر إرشادات واضحة للقطاع الخاص.

من هذه الزاوية، يحتاج القانون إلى حزمة تطبيقية مساندة، تشمل إعداد خريطة للقطاعات عالية التركز، وتطوير منهجية فلسطينية لقياس الهيمنة، والتمييز بين الاحتكار السلوكي والاحتكار الهيكلي، وبناء آلية تنسيق مع وزارة الاقتصاد، وسلطة النقد، وهيئات الاتصالات والطاقة والجمارك. كما يحتاج إلى شفافية في نشر القرارات والتفسيرات، حتى يعرف المستثمرون والتجار والمستهلكون قواعد السوق بوضوح.

ورغم هذه الملاحظات، لا تقل أهمية القانون. فوجود إطار قانوني للمنافسة أفضل من غيابه، لأنه يضع قواعد أكثر وضوحاً للسوق، ويحد من الممارسات الإقصائية، ويبعث برسالة إيجابية للمستثمرين بأن السوق الفلسطيني يتجه نحو تنظيم أكثر عدالة. كما يمنح المستهلك أداة قانونية لمواجهة التلاعب والاتفاقات الضارة واحتكار النفوذ الاقتصادي.

لكن قانون المنافسة لا يعمل في فراغ. فهو أداة لمعالجة التشوهات الناتجة عن سلوك الفاعلين داخل السوق، وليس بديلاً عن سياسة تجارية وتنموية أوسع تعالج القيود البنيوية. لذلك لن يقاس نجاحه فقط بعدد القضايا التي يفتحها أو العقوبات التي يفرضها، بل بقدرته على جعل الأسواق أكثر كفاءة وشفافية، ودعم الاستثمار المنتج، وحماية المستهلك، وتوسيع فرص الدخول العادل إلى السوق.

إن القيمة الحقيقية لقانون المنافسة الفلسطيني لا تكمن في نصوصه وحدها، بل في النقاش الذي يفتحه حول النموذج الاقتصادي المطلوب فلسطينياً. فالمنافسة ليست غاية مستقلة، بل وسيلة لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وعدالة. وفي اقتصاد ما زالت بعض قواعده ترسم خارج حدود السوق، تصبح المهمة أعقد: تنظيم ما يمكن تنظيمه داخلياً، وتقليل أثر القيود الخارجية قدر الإمكان، وبناء سياسة اقتصادية تعرف حدود القانون ولا تقلل من ضرورته.

 

هل تتفق مع ما جاء في هذا المقال؟