الرئيسية » آخر الأخبار » أقلام اقتصادية »
 
26 تموز 2026

هل يحتمل الاقتصاد الفلسطيني صدمة قطع العلاقات المصرفية؟

بقلم: د. عماد السعدي
دكتوراة في الاقتصاد والتمويل الإسلامي

بوابة اقتصاد فلسطين

قد يبدو الحديث عن العلاقات المصرفية بين البنوك الفلسطينية والبنوك الإسرائيلية موضوعاً يهم المختصين فقط، إلا أن الحقيقة أن هذه العلاقات تمثل أحد الأعمدة التي يستند إليها الاقتصاد الفلسطيني في تسيير معاملاته التجارية والمالية. فالمسألة لا تتعلق بالبنوك وحدها، بل تمتد آثارها إلى الأسواق، والتجارة، والاستيراد، والاستثمار، وحياة المواطنين اليومية.

ويزداد الأمر أهمية في ظل اعتماد الاقتصاد الفلسطيني على الشيقل كعملة رئيسية للتداول، في وقت ترتبط فيه تسوية جزء كبير من المدفوعات والتحويلات بالنظام المصرفي الإسرائيلي. ومن هنا، فإن أي تهديد لهذه العلاقات لا يمثل تحدياً مصرفياً فحسب، بل يشكل تحدياً اقتصادياً وطنياً يستوجب التعامل معه بجدية ومسؤولية.

ما هي العلاقات المصرفية؟

العلاقات المصرفية المراسلة هي الترتيبات التي تتيح للبنوك الفلسطينية تنفيذ التحويلات المالية وتسوية المدفوعات بالشيقل، وإجراء العمليات التجارية مع البنوك الإسرائيلية بصورة منظمة وآمنة، وبلغة بسيطة، فهي الجسر الذي تعبر من خلاله الأموال المرتبطة بالتجارة اليومية، وعندما يعمل هذا الجسر بكفاءة، تسير حركة الاستيراد والتصدير والتحويلات بصورة طبيعية، أما إذا تعطلت هذه القناة، فإن آثارها تمتد سريعاً إلى مختلف مفاصل الاقتصاد.

التجارة أول المتضررين

يُعد قطاع التجارة أكثر القطاعات تأثراً بأي انقطاع في العلاقات المصرفية، لأن معظم عمليات الاستيراد وتسوية أثمان البضائع تعتمد على النظام المصرفي، وأي تعطيل لهذه القنوات قد يؤدي إلى صعوبات في سداد قيم الواردات، وتأخير وصول السلع، وارتفاع تكاليف التمويل والنقل، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار السلع وتوافرها في الأسواق.

ولا يقتصر الأمر على التجار، بل يمتد إلى المصانع التي تعتمد على المواد الخام، وإلى الشركات التي تحتاج إلى استيراد المعدات وقطع الغيار لاستمرار الإنتاج.

الشركات والاستثمار تحت الضغط

يعتمد القطاع الخاص على نظام مصرفي قادر على تنفيذ المدفوعات بسرعة وكفاءة، وعندما تصبح التحويلات أكثر تعقيداً أو ترتفع تكلفتها، فإن ذلك يزيد من أعباء الشركات ويؤثر في قدرتها على التوسع والاستثمار، كما أن حالة عدم اليقين تدفع المستثمرين إلى تأجيل قراراتهم، وترفع من درجة المخاطر الاقتصادية، وهو ما ينعكس على النمو الاقتصادي وفرص العمل، فالاقتصاد لا يقوم على رأس المال وحده، بل يقوم أيضًا على الثقة، والثقة تحتاج إلى نظام مالي مستقر يمكن الاعتماد عليه.

أزمة السيولة ليست نقصاً في الأموال

قد تبدو الصورة متناقضة؛ فالبنوك الفلسطينية تمتلك كميات كبيرة من النقد بالشيقل، لكنها في الوقت نفسه تواجه صعوبة في إدارة هذا الفائض بسبب القيود المفروضة على تحويله وتسويته، وهذا يعني أن المشكلة ليست في توفر الأموال، وإنما في قدرة النظام المصرفي على استخدامها بكفاءة داخل الدورة الاقتصادية، ومن هنا، فإن استمرار العلاقات المصرفية لا يحافظ على عمل البنوك فحسب، بل يضمن انسياب السيولة، واستمرار التجارة، واستقرار الأسواق.

الأزمة ستطال الجميع

قد يعتقد البعض أن هذه القضية لا تمسه بصورة مباشرة، لكن الحقيقة أن أي اضطراب في القطاع المصرفي سينعكس على حياة المواطن، فإذا ارتفعت تكاليف الاستيراد ارتفعت الأسعار، وإذا تراجعت حركة التجارة تأثر النشاط الاقتصادي، وإذا انخفض الاستثمار تراجعت فرص العمل، ولهذا فإن استقرار القطاع المصرفي ليس هدفاً يخص البنوك وحدها، وإنما مصلحة اقتصادية تمس جميع أفراد المجتمع.

جهود فلسطينية تستحق التقدير

ومن الإنصاف التأكيد أن "سلطة النقد الفلسطينية" وجمعية البنوك في فلسطين لم تقفا موقف المتفرج أمام هذه التحديات، بل بذلتا جهوداً كبيرة ومتواصلة للحفاظ على العلاقات المصرفية وحماية الاقتصاد الفلسطيني من تداعيات انقطاعها.

فقد كثفت سلطة النقد اتصالاتها مع الجهات الرسمية والمؤسسات المالية الدولية والدول المؤثرة، موضحةً أن استمرار العلاقات المصرفية يمثل ضرورة لاستقرار الاقتصاد الفلسطيني، وليس مجرد مطلب مصرفي. كما عملت على شرح الآثار الخطيرة التي قد تترتب على تعطيل هذه العلاقات، سواء على حركة التجارة أو على تدفق السلع الأساسية أو على استقرار النظام المالي.

وفي الوقت نفسه، قامت جمعية البنوك في فلسطين بدور فاعل في نقل صوت القطاع المصرفي إلى مختلف المحافل، والتواصل مع المؤسسات الدولية والاتحادات المصرفية وبيان أن أي قرار بقطع العلاقات لن يضر بالبنوك وحدها، بل سيمتد أثره إلى الاقتصاد الفلسطيني بأكمله، وسيؤثر في المواطنين والشركات والتجار على حد سواء. وتؤكد هذه الجهود أن القطاع المصرفي الفلسطيني يعمل وفق أفضل المعايير الدولية في مجالات الامتثال والرقابة ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأن القضية ليست قضية كفاءة مصرفية، وإنما تتعلق بضرورة حماية الاستقرار الاقتصادي ومنع استخدام العلاقات المصرفية أداة للضغط السياسي.

ورغم أهمية هذه التحركات، فإن المرحلة المقبلة تتطلب استمرار الدعم الدولي، والعمل على إيجاد ترتيبات مستقرة وطويلة الأجل، بعيداً عن الحلول المؤقتة التي تُبقي الاقتصاد في حالة من عدم اليقين.

ماذا بعد؟

إن التعامل مع هذه القضية لا ينبغي أن يقتصر على إدارة الأزمة، بل يجب أن يتحول إلى فرصة لتعزيز قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود، من خلال تطوير أنظمة الدفع، وتسريع التحول الرقمي، وتنويع العلاقات المصرفية الدولية، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات المالية الإقليمية والدولية، كما أن استمرار التنسيق بين سلطة النقد والقطاع المصرفي والجهات الرسمية سيبقى عنصراً أساسياً في حماية الاستقرار المالي وتعزيز ثقة المستثمرين والقطاع الخاص.

الخلاصة

إن العلاقات المصرفية ليست امتيازاً تمنحه جهة لأخرى، وإنما ضرورة لاستمرار الحياة الاقتصادية، فكل عملية استيراد أو تحويل مالي أو نشاط تجاري يعتمد بصورة أو بأخرى على وجود نظام مصرفي قادر على أداء دوره بكفاءة واستقرار، وفي مواجهة هذه التحديات، تستحق الجهود التي تبذلها سلطة النقد وجمعية البنوك  كل التقدير، لما تقومان به من تحركات مهنية ودبلوماسية لحماية القطاع المصرفي والاقتصاد الوطني، إلا أن نجاح هذه الجهود يتطلب استمرار المساندة الدولية، وتحويل الحلول المؤقتة إلى ترتيبات مستقرة تكفل استدامة العلاقات المصرفية بعيداً عن التجاذبات السياسية، فالاقتصاد يشبه جسد الإنسان، والعلاقات المصرفية هي الشرايين التي تنقل إليه الحياة، وقد لا يشعر الناس بقيمتها وهي تعمل بصمت، لكنهم يدركون أهميتها عندما تتعطل، وعندها لا يتضرر بنك أو تاجر فحسب بل يتأثر الاقتصاد بأكمله.

هل تتفق مع ما جاء في هذا المقال؟