الرئيسية » الاخبار الرئيسية » أقلام اقتصادية »
 
18 آب 2026

ماركس تنبأ به: كيف تهدد رأسمالية الذكاء الاصطناعي الوظائف والديمقراطية؟

مترجم- بوابة اقتصاد فلسطين

​بينما يجني أباطرة سيليكون فالي تريليونات الدولارات، يواجه "الجيل Z" انسداد الآفاق وفقدان الوظائف. تقرير "دير شبيغل" الشامل يعيد قراءة شبح ماركس في مواجهة الأوليغارشية الرقمية، بين غضب "اللوديين الجدد"، وتحذيرات الاستخبارات، وطروحات إعادة هيكلة الاقتصاد.

​شبح ماركس يحوم فوق سيليكون فالي

​تتلاقى ثورة الذكاء الاصطناعي اليوم مع أعمق التناقضات التي صاغها كارل ماركس في نقد الرأسمالية قبل أكثر من قرن ونصف؛ إذ تشير الشواهد كافة إلى أن الطفرة التكنولوجية الحالية تنزع ملكية المعرفة من أيدي البشر لتركزها في أيدي طغمة محدودة من المليارديرات. يحذر خبراء الاقتصاد والاجتماع، وفي مقدمهم ديفيد أوتور من معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT)، من أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بإلغاء الوظائف التقليدية، بل يعمق الفجوة الطبقية وينزع عرى التماسك الاجتماعي، مضيفين بعداً جديداً لنظرية ماركس حول "تراكم رأس المال" عبر انتزاع فائض القيمة من العمل البشري.

​الفصل الأول: "اغتراب العمل" ووهم "نظرية التعويض"

​سادت في الأدبيات الاقتصادية التقليدية عقوداً طويلة «نظرية التعويض»، القائلة بأن الثورات الصناعية تُعوض الوظائف الملغاة بخلق فرص عمل جديدة. غير أن الذكاء الاصطناعي يقطع مع هذا المسار؛ فهو ليس مجرد أداة إنتاج، بل آلة تُحل "رأس المال الثابت" مكان "العمل الحي" وتتخذ القرارات بشكل مستقل.

​يعيش "الجيل Z" (بين 14 و30 عاماً) اليوم حالة صريحة مما أسماه ماركس بـ «الاغتراب» (Entfremdung)، حيث يتعاظم انكماش فرص العمل للمبرمجين والمبدعين، وتراجعت نسبة توظيفهم في القطاعات المعرضة للذكاء الاصطناعي بمقدار 16%. يقول عالم الاجتماع ماتياس ألبيرت: «مع الذكاء الاصطناعي، يوشك التخبط أن يتحول إلى انعدام تام في الآفاق»؛ فالشباب يجدون أنفسهم جردوا من وسائل إنتاجهم الذهنية لصالح خوارزميات صُممت للحلول محلهم.

​الفصل الثاني: احتكار "وسائل الإنتاج" والأوليغارشية الجديدة

​في قلب هذا التحول، يتحول قادة التكنولوجيا (إيلون ماسك، جينسين هوانغ، وسام ألتمان) إلى طبقة إقطاعية رقمية جديدة تمتك حصرياً «وسائل الإنتاج الحديثة»: مراكز البيانات الفائقة، الخوارزميات، والشرائح الرقمية.

​تضاعفت القيمة السوقية لشركة "نيفيديا" لتصل إلى خمسة تريليونات دولار، وبلغ تقييم "أنثروبيك" تريليون دولار، لينتقل النفوذ الفعلي من الحكومات المنتخبة إلى هذه الطغمة. تعيد هذه الهيمنة التذكير بأطروحة الاقتصادي توماس بيكيتي في كتابه «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» - القائمة على تحليلات ماركس - حول نمو عائدات رأس المال بمعدل أسرع بكثير من النمو الاقتصادي والأجور. يوضح بيكيتي أن شركات الذكاء الاصطناعي قامت بأكبر عملية "مصادرة واحتكار" للمعرفية الإنسانية المجمعة عبر الإنترنت، محولة إياها إلى ملكية خاصة في استعادة صريحة لمفهوم "النهب الأولي للرأس مال".

​الفصل الثالث: "اللوديون الجدد" وحرب الطبقات الرقمية

​أمام هذا التهميش، تتشكل موجة مقاومة ميدانية تعيد إلى الأذهان الصراع الطبقي. يقول أحد المحتجين: «لسنا ضد التكنولوجيا بحد ذاتها، بل ضد الاستيلاء على أمتنا بأكملها ونظامنا الاجتماعي

​في نيويورك ومدن أميركية عدة، يظهر شباب يرفضون التبعية للتكنولوجيا، مثل هينري مايكلسون (23 عاماً) الذي يستخدم هاتفا غبياً (Dumb Phone) خبراً للهرب من هيمنة التطبيقات: «ليس على المرء أن يملك إجابة فورية عن كل شيء في الحياة.» يرى هؤلاء أن شركات التكنولوجيا سرقت وقت المجتمع وبياناته وباتت تتصرف كـ "دول ذات سيادة داخل الدولة".

​تتسع هذه المقاومة عبر تظاهرات في فلوريدا وأريزونا ضد بناء مراكز البيانات، وتراجع تأييد الشارع الأميركي لبنائها إلى 36% فقط. بل إن الغضب تحول في بعض الأحيان إلى عنف مباشر، كاستهداف منزل مؤسس "أوبن إيه آي" بقنبلة مولوتوف. وتصنف الاستخبارات الأميركية هذا المنحى ضمن تحذيرات رسمية من صعود «تطرف عنيف مناهض للتكنولوجيا» قد يفجر اضطرابات مدنية عارمة.

​الفصل الرابع: "كارل ماركس كان ليستمتع بذلك!"

​أمام أزمة إعادة التوزيع، يجد العالم نفسه أمام معضلة ماركسية بامتياز: كيف يمكن للرأسمالية أن تستمر إذا أدى الذكاء الاصطناعي إلى إفقار المستهلكين والقضاء على القوة الشرائية؟

​تتعدد الطروحات لتفادي هذا الانهيار:

​التأميم والضرائب الراديكالية: يدعو السيناتور بيرني ساندرز إلى تأميم جزئي لرأس مال الذكاء الاصطناعي، بينما يقترح بيكيتي فرض ضريبة تصاعدية فائقة تصل إلى 90% على دخل المليارديرات و20% على ثرواتهم تُدفع على شكل أسهم في الشركات.

​رأس المال الأساسي الشامل (Universal Basic Capital): يقدم الملياردير نيكولاس بيرغروين طرحاً يقضي بإدخال عناصر اشتراكية لتعديل الرأسمالية؛ عبر منح كل مواطن حصصاً وأسهم مالية مباشرة في شركات الذكاء الاصطناعي عبر صندوق سيادي أو خطط ادخار إلزامية.

​هدف هذا الطرح هو جعل المواطنين يملكون جزءاً من وسائل الإنتاج، ومنحهم حقوق التصويت في الجمعيات العمومية لإجبار أباطرة التكنولوجيا على خدمة المصلحة العامة. وهنا يعلق تقرير "دير شبيغل": «المزيد من الاشتراكية لإنقاذ الرأسمالية — لكان كارل ماركس استمتع بذلك للغاية

​مواجهة السلطة وتحدي الديمقراطية

​تدرك السلطات السياسية - حتى في عهد ترامب - خطورة انفلات الذكاء الاصطناعي، مما دفع الكونغرس لدراسة قوانين تتيح وضع "مفتاح طوارئ" لإيقاف الأنظمة الخارقة. غير أن كارتيلات التكنولوجيا تدفع مليارات الدولارات في لجان العمل السياسي (Super PACs) لإسقاط أي سياسي يجرؤ على تشريع قوانين تقيد تحركاتها.

​يؤكد المؤرخ في جامعة هارفارد، سفن بيكرت، بالاستناد إلى تاريخ الرأسمالية الممتد، أن هذا النظام ليس قانوناً طبيعياً أبدياً بل تطور تاريخي ولن يكون " الكلمة الأخيرة في تنظيم الحياة الاقتصادية". فالرأسمالية تعايشت مع الإقطاع والعبودية والديمقراطية، لكنها اليوم أمام اختبار جديد: إما إعادة توزيع الثروة وإعادة ملكية التكنولوجيا للمجتمع، أو مواجهة انهيارها الذاتي تحت ثقل تناقضاتها الداخلي، تماماً كما توقع كارل ماركس.

عن مجلة "دير شبيغل" الألمانية — بقلم: نيكولا أبيه وسايمون بوك

 

هل تتفق مع ما جاء في هذا المقال؟