السراب في أسواق المال
بوابة اقتصاد فلسطين
لم يكن هبوط الجمعة الماضي، الخامس من حزيران، تحقيقا للإشاعة التي انتشرت عن انهيار ينتظر الأسواق في السادس من هذا الشهر، ويكفي للرد عليها أن السادس صادف يوم السبت وتغلق فيه البورصات. التفسير الحقيقي أبسط وأعمق: إنه تقرير الوظائف الأميركي. فحين يضيف الاقتصاد مئة واثنين وسبعين ألف وظيفة في أيار، أي أكثر من ضعف ما توقعه المحللون، وتبقى البطالة عند ثلاثة وأربعة من عشرة بالمئة، تصل رسالة واحدة إلى المستثمرين: لا تنتظروا خفضا قريبا للفائدة. والأهم أن السوق غيّر قناعته من انتظار فائدة رخيصة إلى توقع فائدة أعلى تدوم أطول، وهذا تغيّر في القواعد لا مجرد يوم سيئ.
لكن خلف هذا الرقم اللامع سوق عمل أقل عافية مما يبدو، فمن يفقد وظيفته اليوم يبقى عاطلا مدة أطول حتى صار طويلو البطالة أكبر شريحة بين العاطلين منذ بدء هذه الدورة. السوق يبدو هادئا لأن الشركات توقفت عن التسريح، لا لأنها عادت إلى التوظيف بقوة. يضاف إلى ذلك تضخم مقلق بلغ ثمانية وثلاثة من عشرة بالمئة في نيسان، أشعلته قفزة أسعار الطاقة مع الحرب على إيران. وهكذا يدخل كيفن وارش أول اجتماعاته رئيسا للاحتياطي الفيدرالي بين خيارين مكلفين: نمو يمنعه من خفض الفائدة، وتضخم يدفعه إلى رفعها.
في هذا الجو فقد الذهب هالته كملاذ آمن وصار يتحرك مثل أصل محفوف بالمخاطر يتراجع كلما ارتفعت الفائدة، فهبط دون أربعة آلاف وأربعمئة دولار للأوقية. وثمة سبب قلّ من ينتبه إليه يعمّق هبوطه: بيع بعض الحكومات والبنوك المركزية جزءا من ذهبها لتأمين سيولة، فيزيد المعروض حين يضعف الطلب. أما الدولار فارتفاعه ليس دليل قوة بقدر ما هو تصحيح لخطأ جماعي، إذ راهنت كبرى البنوك مطلع العام على ضعفه وتوقعت هبوط مؤشره إلى التسعينيات الدنيا، فجاء الواقع عكس الرهان وارتد المؤشر قرب تسع وتسعين نقطة.
يبقى الحدث الأكبر وزنا طرح أسهم سبيس إكس للاكتتاب، والسؤال الذي يشغل كثيرين: هل يبتلع هذا الطرح سيولة السوق فيكون سبب الاضطراب؟ الإجابة الدقيقة تميّز بين أمرين يخلط بينهما الناس. فالطرح الذي يسعى لجمع خمسة وسبعين مليار دولار عند تقييم يقارب تريليونا وثلاثة أرباع التريليون لا يُفني المال، بل ينقله من جيب المشتري إلى جيب البائع فيعود إلى الدورة. غير أن التفصيل الغائب عن معظم التغطية أهم من العنوان: غيّرت ناسداك قواعدها لتضمّ السهم إلى مؤشرها خلال خمسة عشر يوم تداول فقط، فتُجبر الصناديق التي تتبع المؤشرات على شرائه آليا بما يقدّر بين خمسة عشر وثلاثين مليار دولار، فتبيع جانبا من أسهمها لتمويل شراء وافد باهظ التقييم قليل المعروض في ذروة الحماس له. وللتقريب، فإن أكبر اكتتاب قبله، أرامكو عام 2019، جمع نحو تسعة وعشرين مليار دولار وبقي خارج المؤشرات الكبرى، بينما يدخلها سبيس إكس فورا، ومع اكتتابي أوبن إيه آي وأنثروبيك المنتظرين قد تسحب الموجة أكثر من مئتين وأربعين مليار دولار حتى نهاية العام. واللافت أن مؤشر ستاندرد آند بورز رفض التسريع وتمسّك بشرط الربحية، فأجّل ضمّ الشركة إلى أواخر العام، ما يجعل الشراء الإجباري أضيق مما توحي به الضجة ومحصورا في ناسداك وحدها. ويحمل الطرح زاوية طريفة، إذ ينقل إلى السوق ما تملكه الشركة من بيتكوين، نحو تسعة عشر ألف وحدة، فيمنح المساهم نافذة غير مباشرة على العملة المشفرة. أما من يستفيد فيكشفه تفصيل أخير: تعهّد ماسك بعدم بيع أسهمه عاما كاملا، بينما يستطيع كبار المساهمين البيع بعد أول نتائج فصلية في آب، أي أن صغار المستثمرين يشترون عند الذروة ليؤمّنوا للمؤسسين باب خروج مريح.
والخلاصة أن سبيس إكس لم يكن سبب هبوط الجمعة، لكنه ضغط مؤجل يظهر أواخر حزيران لا قبله، عبر إعادة ترتيب للأموال داخل السوق لا تفريغ لها منه. تتجه الأسواق إلى مرحلة فائدة أعلى تدوم أطول، يقوى فيها الدولار على حساب الذهب والعملات الأضعف، خصوصا عملات الدول الناشئة والمعتمدة على الطاقة، وتبقى البورصات معلّقة بين أسعار قياسية وأرباح ما زالت تصمد. وفي النهاية لا يكمن المفتاح في تاريخ يخشاه الناس، بل في ثلاثة مواعيد عملية: قرار وارش منتصف الشهر، وما يجري للنفط في مضيق هرمز، ورقم التضخم القادم.