الرئيسية » تحليل » آخر الأخبار » الاخبار الرئيسية »
 
14 حزيران 2026

المقاصة.. كيف تحولت من أداة مالية إلى أداة ضغط سياسي على السلطة الفلسطينية؟

بوابة اقتصاد فلسطين

لم تعد أموال المقاصة بندًا محاسبيًا في الموازنة الفلسطينية. الأرقام الواردة في تقرير البنك الدولي الصادر في أيار 2026 تظهر أن هذا الإيراد، الذي يفترض أن يشكل قناة تحويل شهرية ومنتظمة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية وفق بروتوكول باريس، تحول إلى نقطة ضغط تمس الرواتب، والديون، والقطاع المصرفي، والطاقة، والخدمات الأساسية.

بحسب التقرير، تتكون أموال المقاصة في معظمها من ضريبة القيمة المضافة ورسوم الاستيراد التي تجمعها حكومة إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية، ثم تحولها شهريًا بعد اقتطاع رسم إداري نسبته 3%. هذا التعريف يوضح أن المقاصة لم تنشأ كمنحة أو مساعدة، بل كإيراد فلسطيني تجبيه إسرائيل بحكم ترتيبات اقتصادية قائمة.

لكن جوهر الأزمة يبدأ عندما يفقد هذا الإيراد انتظامه وشفافيته. يذكر البنك الدولي أن محدودية أو غياب تبادل البيانات بين الطرفين يمنع بناء إطار محاسبي موثق بالكامل للتحقق من التحويلات والاحتجارات والاقتطاعات، وهي مسائل ما زالت موضع خلاف. بذلك، لا تعود المشكلة مالية فقط، بل تصبح مرتبطة بمن يملك القدرة على التحكم بالتدفق النقدي وبالمعلومة المالية في الوقت نفسه.

بعد تشرين الأول 2023، ازداد وزن هذا التحكم. يشير التقرير إلى أن الاقتصاد في الضفة الغربية ظل مكبلًا بقيود خارجية، بينها تشديد الحركة، وتقييد وصول العمال الفلسطينيين إلى سوق العمل الإسرائيلي، وزيادة الاقتطاعات من أموال المقاصة، ثم وقف تحويلها بالكامل. هذه العناصر ربطت بين المال العام والحركة والعمل، وحولت المقاصة إلى جزء من منظومة ضغط أوسع على الاقتصاد الفلسطيني.

في 2025، ظهرت النتيجة مباشرة في المالية العامة. سجلت السلطة الفلسطينية عجزًا ماليًا كليًا بلغ 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي. ورغم وصول تمويل المانحين إلى نحو 940 مليون دولار، وهو مستوى أعلى من الاتجاه التاريخي، ورغم تغطيته قرابة 90% من العجز قبل المنح البالغ 1.03 مليار دولار، فإن إدخال الاقتطاعات الإسرائيلية من المقاصة في الحساب رفع فجوة التمويل الفعلية إلى نحو 1.3 مليار دولار.

تغيرت وظيفة المقاصة هنا. بدل أن تعمل كإيراد شهري يساعد الحكومة على دفع التزاماتها، أصبحت مصدر عدم يقين يوسع الفجوة التمويلية. ومع وقف التحويلات بالكامل منذ أيار 2025، ومع محدودية البدائل التمويلية الخارجية، اتجهت السلطة إلى مراكمة المتأخرات والاقتراض من البنوك المحلية، مع ضغط النفقات ودفع الرواتب جزئيًا.

انعكس ذلك على الموظفين والأسر. يوضح التقرير أن السلطة واصلت في 2025 دفع رواتب جزئية تراوحت بين 50% و70% من أساس الالتزام، مع حماية نسبية لأصحاب الدخول الأقل. كما جرى تقليص التحويلات الاجتماعية وبرامج المساعدات النقدية، ما أضعف دخول الأسر وخفض الطلب الكلي في الاقتصاد.

تظهر الأرقام عمق الأزمة. بنهاية 2025، بلغت متأخرات السلطة للقطاع الخاص 1.82 مليار دولار، وبلغت متأخرات الموظفين العموميين 2.85 مليار دولار. كما قدر البنك الدولي الدين العام للسلطة بنحو 4.8 مليار دولار، منها 3.3 مليار دولار اقتراضًا من القطاع المصرفي المحلي.

ولم يتوقف الأثر عند الخزينة. يقدر التقرير انكشاف القطاع المصرفي المحلي على القطاع العام، عبر الإقراض المباشر للسلطة والإقراض غير المباشر لموظفي القطاع العام، بنحو 5.3 مليار دولار، أي ما يقارب 42% من إجمالي الائتمان المصرفي. بهذا المعنى، لم تعد أزمة المقاصة أزمة وزارة مالية فقط، بل أصبحت قناة لنقل المخاطر من الخزينة إلى البنوك.

تزداد خطورة هذا المسار لأن الموظفين العموميين يلجؤون إلى الائتمان المصرفي لتعويض نقص الدخل الناتج عن الرواتب الجزئية. ورغم أن هذه القروض غير مضمونة صراحة من الحكومة، يرى البنك الدولي أنها تخلق التزامات ضمنية وتعمق الترابط بين مخاطر السيادة ومخاطر القطاع المصرفي.

في 2026، يحذر التقرير من تدهور إضافي. فالعجز الكلي المتوقع يتجاوز 1.2 مليار دولار قبل احتساب بعض عناصر التمويل، وقد يبلغ نحو 1.6 مليار دولار بعد احتساب الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة. وإذا استمر وقف تحويل المقاصة، فقد يرتفع العجز إلى 3.8 مليار دولار. وقد ظهر الضغط مبكرًا في صرف راتب كانون الثاني 2026 على شكل دفعة موحدة بلغت 2000 شيكل لكل موظف، وهي أدنى دفعة اسمية منذ بداية الأزمة المالية، وصرفت بعد تأخير ثلاثة أشهر.

تصل المقاصة أيضًا إلى قطاع الطاقة. يذكر التقرير أن تعليق تحويلات المقاصة، وزيادة الاقتطاعات المرتبطة بفواتير شركة الكهرباء الإسرائيلية، وقيود السيولة، وعدم اليقين في علاقات البنوك المراسلة، ضغطت على الوضع المالي لقطاع الطاقة. كما أن تخفيض رواتب الموظفين وسحب تصاريح العمل أثرا في قدرة الأسر على دفع فواتير الكهرباء، ما أضعف التحصيل وزاد ضغط السيولة على شركات التوزيع.

منذ تموز 2025، حُوّل معظم إيرادات قطاع الطاقة إلى وزارة المالية والتخطيط لدعم الموازنة، بدل استخدامها لتسديد فواتير شركة الكهرباء الإسرائيلية. كما سُمح للشركة الإسرائيلية بخصم مستحقات شركة نقل الكهرباء الفلسطينية من أموال المقاصة لتقليل مخاطر التعثر. هذا يبين كيف تعمل المقاصة كأداة ضغط متسلسلة، تبدأ من الخزينة، وتمتد إلى الكهرباء والخدمات.

الاستنتاج الأهم أن المقاصة تحولت من آلية مالية إلى أداة تحكم بالسيولة والسياسة العامة. فالطرف الذي يتحكم بموعد التحويل، وحجم الاقتطاع، وشفافية الحساب، يتحكم عمليًا بقدرة الحكومة على دفع الرواتب، وتمويل الخدمات، وسداد ديون القطاع الخاص، والحفاظ على استقرار البنوك.

لذلك، يضع البنك الدولي استعادة التحويلات المنتظمة والمتوقعة لأموال المقاصة ضمن أولويات الاستقرار العاجلة. كما يربط الاستقرار المالي باستمرار دعم المانحين، وحماية الإنفاق الاجتماعي، والحفاظ على الروابط المالية والمصرفية. من دون انتظام المقاصة، تبقى الحكومة في إدارة أزمة يومية، وتبقى السياسة المالية رهينة السيولة، لا رهينة التخطيط.

تكشف الحالة الفلسطينية أن المال العام ليس رقمًا في جدول الموازنة فقط. عندما تتحول الإيرادات المستحقة إلى أداة احتجاز واقتطاع وتعليق، يتغير معنى السياسة المالية نفسه. تصبح الرواتب مؤجلة، والمساعدات أقل، والديون أعلى، والبنوك أكثر انكشافًا، والخدمات أكثر هشاشة. هنا بالضبط تتحول المقاصة من أداة مالية إلى أداة ضغط سياسي.

كلمات مفتاحية::