الرئيسية » في دائرة الضوء » الاخبار الرئيسية » آخر الأخبار »
 
23 حزيران 2026

بعد عامين ونصف من حرب الإبادة.. إطلاق مشروع لتأهيل الأراضي الزراعية ينعش آمال مزارعين أنهكتهم الخسائر والديون

خالد أبو عامر- بوابة اقتصاد فلسطين

بعد عامين ونصف من حرب الإبادة، إطلاق مشروع لتأهيل الأراضي الزراعية ينعش آمال مزارعين أنهكتهم الخسائر والديون

شكّل القطاع الزراعي في قطاع غزة، على امتداد عقود، أحد أعمدة الاقتصاد المحلي. واعتمدت شريحة واسعة من السكان على الإنتاج المحلي من الخضروات والفواكه مصدراً للغذاء والدخل، فضلاً عن دوره في تعزيز الصمود في مواجهة الاحتلال والحصار. لكن الحرب الإسرائيلية قلبت هذا الواقع رأساً على عقب، فانتقلت المساحات الخضراء إلى أراضٍ مدمرة أو مقيدة الوصول، خصوصاً في المناطق الواقعة ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر.

واقع زراعي مزدهر دمّرته الحرب

قبل الحرب، بلغت المساحة الزراعية في قطاع غزة نحو 117 كيلومتراً مربعاً، أي ما يقارب ثلث مساحة القطاع الإجمالية البالغة 360 كيلومتراً مربعاً. وكانت هذه المساحات تغطي نحو 44 بالمئة من الاحتياجات الغذائية للسكان، وتساهم بنحو نصف الصادرات السلعية، بقيمة سنوية قاربت 30 مليون دولار.

كما حقق القطاع الزراعي اكتفاءً ذاتياً في أصناف عدة، بينها الفراولة والطماطم والحمضيات والبطيخ. وكان ينتج نحو 1400 طن يومياً، يصدر منها 300 طن إلى أسواق الضفة الغربية والداخل المحتل. وبلغت قيمة أصول القطاع الزراعي والثروة الحيوانية والسمكية أكثر من 500 مليون دولار في عام 2022.

لكن هذا المشهد تراجع سريعاً. وخسر آلاف المزارعين أراضيهم بفعل القصف والتجريف والعزل داخل الحزام الأمني الذي التهم أكثر من 64 بالمئة من طول الشريط الشرقي والشمالي والجنوبي للقطاع، ضمن نطاق الخط الأصفر.

بداية أولى لاستعادة الإنتاج

في ظل هذا الدمار، وبعد نحو سبعة أشهر من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، يتواصل على الأرض مشروع إعادة تأهيل الأراضي الزراعية الذي انطلق في أيار الماضي، وتقوده وزارة الزراعة بالشراكة مع جمعيات تعاونية زراعية ومنظمات دولية، في مقدمتها أوكسفام. ويُعد هذا التدخل أول تحرك رسمي وميداني من نوعه بهدف إنقاذ الأراضي المتضررة وإعادة إنتاجيتها.

وقال مدير الجمعية التعاونية الزراعية لمنتجي العنب والخضار، عز الدين أبو عميرة، في حديثه لـ"بوابة اقتصاد فلسطين"، إن المشروع يهدف أساساً إلى تذليل العقبات الميدانية وتوفير الحد الأدنى من الإمكانات للمزارعين حتى يتمكنوا من استئناف نشاطهم الذي تعطل لنحو عامين ونصف.

وأضاف أبو عميرة، الذي رافق فريقاً من المهندسين في بلدة المغراقة، أن المرحلة الحالية تشمل تأهيل ألف دونم زراعي في مناطق الشيخ عجلين والمغراقة والزهراء، باعتبارها أكثر أمناً نسبياً، وأبعد عن مناطق السيطرة الإسرائيلية، إلى جانب خصوبتها العالية في زراعة العنب والتين والخضروات.

وأوضح أن المشروع أنجز حتى الآن تأهيل 275 دونماً من أصل 1000 دونم، لصالح 100 مزارع. وخضعت الأراضي أولاً لفحص ميداني من قبل مؤسسة إزالة الألغام التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي للتأكد من خلوها من مخلفات الحرب، قبل تنفيذ أعمال التسوية والحراثة والتسميد، وحفر الآبار المتضررة وصيانتها، وتمديد خطوط نقل المياه.

أسعار فلكية تعرقل العودة إلى الأرض

ورغم أهمية المشروع، فإنه لا يغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات الهائلة للقطاع. فالمزارع الذي استصلح أرضه يصطدم اليوم بأسعار مرتفعة للمستلزمات الزراعية، إلى جانب نقص السولار والمولدات.

وقال المزارع أدهم عويضة، أحد المستفيدين من المشروع في بلدة المغراقة، إن المشروع مكنه من تأهيل 8 دونمات من أرضه، لكنه لم يتمكن من زراعة سوى دونمين فقط. وأضاف أن كلفة العودة إلى الزراعة تتجاوز قدرته الفردية، لأن أسعار البذور والأدوية والمبيدات ارتفعت من ألفي شيكل، أي نحو 650 دولاراً، قبل الحرب، إلى قرابة 12 ألف شيكل، أي نحو 4 آلاف دولار. أما شاحنة الأسمدة، فقفز سعرها من ألف شيكل، أي نحو 325 دولاراً، إلى أكثر من 20 ألف شيكل، أي نحو 6700 دولار.

وأشار عويضة إلى أن نقص المياه بسبب أزمة السولار، التي تعيق تشغيل الآبار، يهدد المشروع بخسائر إضافية، داعياً الجهات الدولية إلى استكمال الدعم، خصوصاً من خلال توفير البذور والأسمدة وبقية مستلزمات الإنتاج.

ديون متراكمة وأراضٍ خلف الخط الأصفر

وعلى بعد مئات الأمتار من أرضه المصادرة في جحر الديك شرق المنطقة الوسطى، يقف المزارع السبعيني أحمد شملخ وهو يستعيد ملامح نكبة القطاع الزراعي. ويقول لـ"بوابة اقتصاد فلسطين" إنه يعمل في الزراعة منذ أكثر من 30 عاماً، ويمتلك قطعتين من الأرض، الأولى في جحر الديك وكانت تضم أكثر من ألف شجرة زيتون، قبل أن يجرفها الاحتلال بالكامل ويصادرها ضمن مناطق الخط الأصفر، والثانية في الشيخ عجلين وتضم كروم العنب والمشمش والخضار.

ويضيف شملخ، "عشت وعلمت أبنائي وبنيت بيتي من خير هذه الأرض، واليوم تجاوزت خسائري 130 ألف دولار، وأعيش تحت وطأة ديون متراكمة لا أستطيع سدادها".

ويأمل شملخ ألا يقتصر المشروع على المناطق الآمنة، بل أن يمتد إلى الأراضي الحدودية التي تشكل عمق غزة الغذائي.

وبحسب أحدث التقييمات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، الفاو، ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، يونوسات، والمحدثة حتى مطلع عام 2026، بلغت نسبة الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية نحو 98.5 بالمئة، فيما لم يتبق سوى أقل من 232 هكتاراً صالحة للزراعة. ومن هذه المساحة، بات نحو 12.4 بالمئة غير قابل للوصول، لوقوعه ضمن مناطق عسكرية خلف الخط الأصفر، الذي أقر في اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في شرم الشيخ في 9 تشرين الأول، أكتوبر 2025.

ولم يقتصر الدمار على المحاصيل أو المواسم الزراعية، بل طال التربة نفسها. فقد أدت عمليات القصف المتكرر واستخدام الجرافات الثقيلة إلى تقليب التربة وتدمير بنيتها الحيوية، ما جعل أجزاء واسعة منها غير صالحة للزراعة لسنوات طويلة. كما أسهم تلوثها بمخلفات القذائف والمواد السامة في تراجع خصوبتها وارتفاع مستويات الملوحة، لتتحول من مصدر للحياة إلى أراضٍ ميتة تحتاج إلى تدخلات هندسية وزراعية مكلفة لإعادة تأهيلها.

أما البنية التحتية الزراعية، فتضررت على نطاق واسع. وبلغت نسبة الأضرار في الآبار الزراعية 82.8 بالمئة، فيما وصلت نسبة تدمير الدفيئات إلى 71 بالمئة، مع تضرر شبه كامل في محافظتي رفح وبيت حانون نتيجة التدمير الواسع الذي نفذه الاحتلال.

وقدّرت الفاو القيمة الإجمالية للأضرار والخسائر التي تكبدها القطاع الزراعي في غزة بأكثر من ملياري دولار، منها نحو 835 مليون دولار أضرار مباشرة، و1.3 مليار دولار خسائر غير مباشرة. كما قدّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 4.2 مليار دولار.

 

 

 

كلمات مفتاحية::