الرئيسية » أقلام اقتصادية » آخر الأخبار »
 
23 تموز 2026

هل نكسر الجرة وراء البنوك المراسلة؟

بقلم: د. طارق عاشور
خبير اقتصادي

بوابة اقتصاد فلسطين

لا يمثل قرار بنكي هبوعليم وديسكونت بالتخلي عن دور المراسلة المصرفية أزمة عابرة، ولا مجرد خلاف مالي بين مؤسسات مصرفية. إنه المشهد الأكثر كشفاً لوهن بنياننا النقدي، ذلك البنيان الذي دافعنا عنه لعقود بوصفه قدراً محتوماً، بينما كان في الحقيقة نتاج اختيارات سياسية ونقدية خاطئة دفعنا ثمنها مراراً، وندفع اليوم فاتورتها الأثقل.

ستفقد خمسة بنوك فلسطينية خدمات هبوعليم في 13 آب، فيما ستنقطع خمسة بنوك أخرى عن خدمات ديسكونت في الأول من أيلول. والمفارقة أن وزارة المالية الإسرائيلية، التي طالما تحدثت عن "الإعفاءات" و"خطابات الحصانة" بوصفها حلاً سحرياً، تؤكد اليوم أن البنكين استندا في قرارهما إلى "بيئة المخاطر العامة والقلق المتزايد من الدعاوى القضائية". أي أن الأداة التي روّضنا أنفسنا عليها تحولت إلى أداة لخنقنا.

المفارقة الأشد أن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي هدد مراراً بقطع الخدمات المصرفية للضغط على السلطة ودفعها نحو الانهيار، هو نفسه من ساهم في تقليص مدة خطابات الحصانة من سنة كاملة إلى فترات لا تتجاوز أسبوعين. هذا التقليص خلق حالة من عدم اليقين دفعت البنوك الإسرائيلية إلى العزوف عن الاستمرار. البنوك لا تريد تحمل المخاطر، والدولة، وفق ادعائها، لا تريد تحمل المسؤولية، ونحن نبقى في المنتصف ندفع الثمن.

يحذر خبراء من أن قطع هذه الروابط المصرفية سيدفع نحو المزيد من التعاملات النقدية، ويزيد مخاطر الاضطراب المصرفي، ويوسع الاقتصاد غير الرسمي. نحن إذن أمام حلقة مفرغة، تبعية نقدية تخلق أزمة، وأزمة تدفع نحو مزيد من التبعية.

كيف وصلنا إلى هنا؟

يعود الجواب إلى النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، حين اعترض البنك العربي على إجباره على التعامل مع بنك مراسل إسرائيلي محدود الحضور على الخريطة المالية العالمية. كان اعتراضه منطقياً، لأن وضع مؤسسة مالية إقليمية كبرى تحت وصاية بنك صغير يعكس اختلالاً واضحاً في موازين القوة. لكننا رضخنا، وروّضنا أنفسنا على فكرة أن الشيكل عملة قدرية لا مناص منها لأن مواردنا مقومة به.

اليوم نحتج على فقدان هذا الدور الوسيط، وكأننا ندافع عن وصاية طالما تمنينا التخلص منها. هذا التناقض هو جوهر أزمتنا.

وهم الضرورة

العذر الذي رددناه طوال السنوات الماضية كان يقوم على أن معظم مواردنا مقومة بالشيكل، من صادرات وعائدات وأجور عمال ومشتريات أهلنا داخل الخط الأخضر. لكن هذا المنطق فقد الكثير من وجاهته. فجزء كبير من تلك الموارد تراجع أو تغيرت مساراته، والصادرات إلى إسرائيل أصبحت تودع مباشرة في حسابات بالشيكل تُستخدم لتسوية جزء من الواردات.

نحن ندير دورة نقدية مغلقة لا تخلق قيمة حقيقية، بل تزيد فائض عملة لا نملك حرية واسعة في تصريفها. وهذا الفائض هو الذي يخنق السيولة ويجعلنا عرضة لكل قرار مصرفي إسرائيلي.

لماذا لا يبدأ التحول إلى الدينار؟

هنا يبرز السؤال الذي تهربنا منه طويلاً، لماذا لا نبدأ تحولاً تدريجياً نحو الدينار الأردني بدلاً من الاستمرار في معركة استنزاف مع واقع مفروض علينا؟

يردد البعض أن الدينار "يدخل من الجسر" ولا نملك التحكم به، وكأننا كنا نملك حرية إدخال الشيكل وإخراجه طوال الوقت. الحقيقة أننا كنا، وما زلنا، أسرى لسياسات غيرنا في هذه العملة. الأردن شريك طبيعي، واقتصاده مرتبط بنا، ويمكن التفاهم مع البنك المركزي الأردني على آليات واضحة لإدارة السيولة بالدينار.

انتشار العملة ليس ظاهرة تقنية فحسب، بل هو أيضاً قرار سياسي واحتياج اقتصادي مشترك.

الإرادة قبل الأدوات

يقول المتشائمون إننا لا نملك أدوات لتصريف فائض الشيكل إذا تحررنا منه. لكن الواقع يشير إلى أن المشكلة ليست في غياب الأدوات، بل في غياب الإرادة لتوظيفها. فاقتصاد الظل القائم اليوم يبرهن أن حركة النقد خارج المنظومة الرسمية ممكنة، وأن البدائل ليست مستحيلة كما يُصوَّر.

العقبة الحقيقية تكمن في عقلية تفضل البقاء داخل منطقة الراحة الخانقة على خوض تجربة تحررية مدروسة.

التحول البنكي وحده لا يكفي

لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه الدكتور سلام فياض عندما انتقل الاقتصاد الفلسطيني من "رواتب الشنطة" إلى الرواتب عبر البنوك. كان الهدف محاربة الفساد والرواتب الوهمية وتنشيط الاقتصاد، لكن التجربة أظهرت أن التحول المالي وحده لا يصنع اقتصاداً منتجاً. فالرقمنة، من دون قاعدة إنتاجية حقيقية، لا تخلق قيمة مضافة بقدر ما تعيد توزيع الأعباء وتزيد الكلفة.

والأهم أن الالتزام الكامل بالمعايير التي طلبت منا، كما أظهر تقرير A&M الأخير، لم يؤد إلى رفع القيود السياسية أو إلغاء العقوبات المالية. وكأننا ندفع ثمناً لشهادة حسن سلوك لا تغير الواقع.

فرصة لإعادة الهيكلة

رغم خطورة الأزمة، فإنها تحمل فرصة لإعادة هيكلة علاقاتنا الاقتصادية مع الأردن على أسس أكثر استقلالية.

يمكن التفكير في خطوات عملية، منها:

توسيع الربط الكهربائي مع الأردن وتسوية المدفوعات بالدينار.

إنشاء مطاحن واستثمارات مشتركة لتأمين الطحين.

تطوير شراكات في الإسمنت والمواشي وسلاسل الإمداد المرتبطة بها.

التعاون مع مصفاة البترول الأردنية لتوسيع طاقتها بما يلبي احتياجات السوق الفلسطينية من المشتقات النفطية والغاز.

هذه القطاعات تمثل أصولاً استراتيجية تستحق الاستثمار، وتستحق أن تكون مدفوعاتها بالدينار، بما يخلق دائرة اقتصادية أكثر توازناً وأقل تبعية.

وهنا يتجلى الدور الحقيقي لـصندوق الاستثمار الفلسطيني، الاستثمار في أصول تعزز السيادة الاقتصادية، لا في مشاريع تنافس القطاع الخاص من دون أثر تنموي واضح.

لحظة الاختيار

نحن نملك من القوة الكامنة ما يؤهلنا لهذا التحول، لكننا نحتاج إلى إرادة جماعية، وإلى خبراء يفكرون بعقل الدولة لا بعقل الموظف الذي ينتظر التعليمات.

نحتاج إلى إصلاح جذري ينبع من الداخل، وإلى مؤسسات محوكمة وشفافة وكفوءة قادرة على إدارة تحول نقدي واقتصادي معقد بجرأة وحكمة.

هذا هو جوهر التحرر الاقتصادي الذي نستحقه بعد عقود من التبعية. إما أن نغتنم هذه اللحظة الفارقة، أو نظل أسرى لفائض الشيكل وتهديدات بنوك لا يعنيها من أمرنا سوى تقليص مخاطرها وزيادة قدرتها على الضغط علينا.

السؤال لم يعد: كيف نحافظ على نظام يتداعى؟

السؤال الحقيقي: كيف نبني نظاماً يملك القدرة على الصمود من دون وصاية؟

 

هل تتفق مع ما جاء في هذا المقال؟
أخر الاخبار
الخميس, 01 من كانون الثاني 1970