محافظ سلطة النقد: أزمة علاقات المراسلة المصرفية تتطلب تحركاً عاجلاً

بوابة اقتصاد فلسطين
عقد معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) لقاء الطاولة المستديرة الخامس لعام 2026 بعنوان "علاقات المراسلة المصرفية"، في مقره بمدينة رام الله وعبر تقنية الاتصال المرئي، بمشاركة محافظ "سلطة النقد الفلسطينية" يحيى شنار، ومدير منطقة فلسطين في البنك العربي الدكتور جمال حوراني، إلى جانب نخبة من الخبراء والمختصين.
واستند النقاش إلى ورقة خلفية أعدها الباحث في المعهد محمد عطا الله، تناولت واقع علاقات المراسلة المصرفية الفلسطينية، والتحديات التي تواجهها، والسيناريوهات المحتملة، والخيارات المطروحة لتعزيز استدامة النظام المالي الفلسطيني.
وأكد مدير عام معهد "ماس" في افتتاح اللقاء أهمية مناقشة هذا الملف، نظراً لارتباطه المباشر باستقرار النظام المالي واستمرار حركة التجارة والتبادل المالي، مشيراً إلى حرص المعهد على تنظيم جلسات حوارية متخصصة تتيح تبادل الرؤى بين صناع القرار والخبراء. كما أشاد بالشراكة مع برنامج "تصدير"، الذي تنفذه شركة Cowater المملكة المتحدة بتمويل من الحكومة البريطانية.
وقال عطا الله إن جذور علاقات المراسلة المصرفية الفلسطينية الإسرائيلية تعود إلى عام 1967، قبل أن يعاد تنظيمها مع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية وتوقيع بروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994، الذي وضع الإطار القانوني للعلاقات النقدية والمصرفية بين الجانبين.
وأوضح أن هذه العلاقات واجهت خلال السنوات الأخيرة ضغوطاً متزايدة، تمثلت في تراجع التعاون المؤسسي، وتعطل العديد من اللجان المشتركة المنصوص عليها في بروتوكول باريس، وتشديد القيود على ترحيل فائض الشيكل منذ عام 2009، إلى جانب فرض قيود إضافية على أشكال التعاون المصرفي، وصولاً إلى تصاعد المخاطر منذ عام 2023، وما استدعى تدخلات دولية أفضت إلى تمديدات متكررة للضمانات القانونية التي تضمن استمرار علاقات المراسلة وقنوات التسوية المالية.
وأشار إلى أن خصوصية الاقتصاد الفلسطيني تجعل أي اضطراب في علاقات المراسلة المصرفية أكثر خطورة، في ظل غياب العملة الوطنية، والاعتماد الكبير على الشيكل، والتشابك العميق مع الاقتصاد الإسرائيلي. وأضاف أن هذه العلاقات لا تقتصر على تنفيذ المدفوعات العابرة للحدود، بل تشكل ركناً أساسياً لاستمرار النشاط الاقتصادي، وإدارة السيولة، وضمان تدفق السلع والخدمات الأساسية.
وحذر عطا الله من أن أي تعطل جزئي أو كامل في علاقات المراسلة المصرفية سينعكس على مختلف مفاصل الاقتصاد، بدءاً من اضطراب المدفوعات والتسويات المالية، وارتفاع تكاليف المعاملات، وضغوط السيولة، وصولاً إلى تأثر التجارة الخارجية وسلاسل الإمداد والتحويلات المالية، وانعكاسات مباشرة على الشركات الصغيرة والمتوسطة والنمو الاقتصادي. كما نبه إلى أن استمرار هذه الاضطرابات سيقوض الثقة بالقطاع المالي ويزيد الضغوط على الأسعار والمالية العامة.
وفي استعراضه لخيارات تعزيز استدامة علاقات المراسلة المصرفية، أوضح عطا الله أن الأولوية تتمثل في الحفاظ على العلاقات القائمة، إلى جانب تقليص مخاطر التركّز والاعتماد، وتطوير البنية التحتية المالية والتكنولوجية. وأكد أن استمرار العلاقات الحالية يمثل الخيار الأكثر أهمية على المدى القريب، ويتطلب تعزيز الحوار مع الجهات المعنية، وتطوير أنظمة الامتثال وإدارة المخاطر بما يعزز ثقة البنوك المراسلة.
وأضاف أن رفع مرونة النظام المالي يتطلب التوسع في حلول الدفع الرقمية، وتطوير أنظمة المدفوعات الحديثة، واستكشاف قنوات تسوية إقليمية ودولية إضافية، معتبراً أن هذه الخيارات تمثل أدوات مساندة وليست بديلاً كاملاً عن العلاقات المصرفية الحالية. وشدد على أهمية الجمع بين الحفاظ على القنوات القائمة وبناء بدائل تدريجية طويلة الأجل.
واستعرضت الورقة ثلاثة سيناريوهات لمستقبل علاقات المراسلة المصرفية. ويتمثل السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، في استمرار العلاقات الحالية مع بقاء حالة من عدم اليقين، مدعوماً بالمصالح الاقتصادية المشتركة واستمرار الدعم الدولي. أما السيناريو الثاني فيفترض حدوث قيود أو اضطرابات جزئية، فيما يتمثل السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً والأعلى كلفة، في انقطاع شبه كامل للعلاقات.
واختتمت الورقة بحزمة من التوصيات التنفيذية، شملت إجراءات قصيرة الأجل للحفاظ على علاقات المراسلة وتعزيز خطط الطوارئ وتكثيف التواصل مع الجهات الدولية الداعمة، وإجراءات متوسطة الأجل لتنويع شبكة البنوك المراسلة، وتطوير البنية التحتية للمدفوعات الرقمية، وتقليص الاعتماد على النقد، إضافة إلى إجراءات طويلة الأجل تركز على تطوير حلول إقليمية وعابرة للحدود للمدفوعات والتسويات، وتعزيز مرونة النظام المالي، وتقليل مخاطر التركّز، وبناء ترتيبات مؤسسية أكثر استدامة، وتوسيع الشراكات المالية الدولية.
من جانبه، أكد محافظ "سلطة النقد الفلسطينية" يحيى شنار أن تهديدات وقف علاقات المراسلة المصرفية بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية لا تقتصر آثارها على القطاع المصرفي، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، وتهدد قدرة المواطنين والشركات على تنفيذ معاملاتهم المالية والتجارية.
وأوضح أن سلطة النقد تواصل تحركاتها واتصالاتها مع مختلف الأطراف المحلية والدولية للتعامل مع هذه التهديدات، مؤكداً أن تجنب انقطاع علاقات المراسلة يتطلب تحركاً جماعياً وعاجلاً قبل دخول أي قرارات بإنهائها حيز التنفيذ، مع توظيف جميع الأدوات الدبلوماسية والفنية لضمان استمراريتها.
وشدد شنار على أن الحل يكمن في ضمان استمرار اندماج فلسطين في النظام المالي العالمي، وليس في البحث عن بدائل مؤقتة، داعياً إلى معالجة أزمة فائض الشيكل عبر إلغاء أو رفع السقف المفروض على إعادة النقد إلى إسرائيل، إلى جانب إطلاق مراجعة مؤسسية لبروتوكول باريس الاقتصادي للوصول إلى ترتيبات قانونية وتشغيلية أكثر استدامة.
بدوره، أكد الدكتور جمال حوراني أن الأولوية يجب أن تنصب على الحفاظ على علاقات المراسلة المصرفية القائمة، محذراً من أن التركيز على إنشاء شركة وسيطة قد يصرف الانتباه عن التحدي الرئيسي.
وأوضح أن العلاقة المالية مع إسرائيل ترتبط بخصوصية استخدام الشيكل، وأن التحويلات المالية تتم عبر ثلاث قنوات رئيسية، هي التحويلات التجارية، وتحويلات أجور العمال، والحوالات الجمركية.
وأضاف أن أزمة السيولة النقدية تشكل أحد أكبر المخاطر التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني، مؤكداً أهمية توسيع حلول الدفع الرقمي، رغم أنها لا تعالج بمفردها تحديات علاقات المراسلة المصرفية، ومشدداً على ضرورة إعداد خطة طوارئ مالية تضمن استمرارية عمل النظام المالي الفلسطيني في مختلف السيناريوهات المحتملة.