انتخابات التجديد النصفي الأميركية.. خسارة سياسية لترامب وتداعيات محتملة على الاقتصاد والأسواق والعلاقات مع إسرائيل

بوابة اقتصاد فلسطين
أفرزت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي نتائج سياسية مهمة، تمثلت في تقدم الديمقراطيين وانتزاعهم السيطرة على مجلس الشيوخ، إلى جانب تحقيق مكاسب واسعة في مجلس النواب، في تطور يشكل ضربة سياسية للرئيس دونالد ترامب، ويعيد رسم موازين القوى داخل واشنطن خلال العامين المتبقيين من ولايته.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة، كونها تحدّ من قدرة الإدارة الأميركية على تمرير عدد من برامجها الاقتصادية والتشريعية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة السياسية بين البيت الأبيض والكونغرس، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات اقتصادية مرتبطة بالتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة.
الديمقراطيون يحققون مكاسب في معاقل جمهورية
تمكن الحزب الديمقراطي من السيطرة على مجلس الشيوخ، بعد تحقيق انتصارات لافتة في عدد من الولايات التي تُعد تقليدياً معاقل للحزب الجمهوري، من بينها تكساس وكارولاينا الجنوبية وكانساس، فيما حقق مكاسب إضافية في انتخابات مجلس النواب، واقترب من حسم الأغلبية فيه.
وتشير هذه النتائج إلى تحول في المزاج الانتخابي لدى قطاعات من الناخبين الأميركيين، الذين جعلوا الأوضاع الاقتصادية وتكاليف المعيشة والسياسات التي اتبعتها إدارة ترامب في مقدمة القضايا المؤثرة في خياراتهم الانتخابية.
التضخم وتكاليف المعيشة في مقدمة أسباب التراجع الجمهوري
برزت الأوضاع الاقتصادية باعتبارها أحد العوامل الرئيسية وراء تراجع الحزب الجمهوري، إذ لا يزال الأميركيون يواجهون ضغوطاً معيشية نتيجة ارتفاع أسعار السلع والخدمات والطاقة.
وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة بلغ 3.7% خلال الشهر الماضي، متجاوزاً المستهدف الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي عند 2%، بعدما استمرت معدلات التضخم فوق هذا المستوى لنحو خمس سنوات.
وتفاقمت الضغوط التضخمية بفعل مجموعة من العوامل، أبرزها الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على الواردات، إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بتداعيات الحرب في إيران، الأمر الذي انعكس على تكاليف الإنتاج والنقل وأسعار السلع والخدمات.
ولم تقتصر أسباب التراجع على الملف الاقتصادي، إذ ساهمت الانتقادات الموجهة للحرب والسياسات الخارجية، والمخاوف المتعلقة بأداء الإدارة الأميركية، في تعزيز حالة الاستياء لدى شريحة من الناخبين.
وبحسب استطلاعات الرأي المشار إليها في التقرير، رأى نحو نصف الناخبين أن الانتخابات تمثل فرصة للتعبير عن معارضتهم لترامب، فيما أعرب نحو ثلاثة أرباعهم عن عدم رضاهم عن المسار الذي تسلكه الولايات المتحدة.
كيف ستؤثر النتائج على قدرة ترامب على الحكم؟
رغم أن نتائج الانتخابات لا تعني انتهاء ولاية ترامب، الذي سيبقى في البيت الأبيض حتى يناير 2029، فإن فقدان الجمهوريين السيطرة على مجلس الشيوخ، إلى جانب تراجع موقعهم في مجلس النواب، سيضع قيوداً إضافية على قدرة الرئيس على تنفيذ أجندته السياسية والاقتصادية.
فسيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ تمنحهم دوراً أكبر في التعامل مع التعيينات الرئاسية، بما فيها تعيينات كبار المسؤولين والقضاة، كما تتيح لهم استخدام الأدوات الرقابية واللجان البرلمانية لمساءلة الإدارة والتحقيق في قراراتها.
وفي حال تمكن الديمقراطيون من حسم الأغلبية في مجلس النواب أيضاً، فإن قدرتهم على تعطيل المبادرات التشريعية والضغط على الإدارة ستتوسع، خصوصاً في الملفات المتعلقة بالميزانية والضرائب والإنفاق الحكومي.
ومع ذلك، لن يفقد ترامب صلاحياته التنفيذية أو قدرته على إصدار الأوامر الرئاسية، كما سيظل يمتلك حق النقض ضد القوانين التي يقرها الكونغرس، ما يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصاعداً في الخلافات السياسية واحتمالات الجمود التشريعي.
هل يمكن أن يواجه ترامب إجراءات العزل؟
تفتح سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، إذا تحققت، المجال أمام إمكانية إطلاق إجراءات لعزل الرئيس، إذ يستطيع المجلس توجيه اتهامات رسمية بأغلبية بسيطة.
لكن إدانة الرئيس وعزله تتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وهو شرط دستوري يجعل إتمام عملية العزل أكثر تعقيداً من مجرد السيطرة على المجلس.
وعليه، قد يكون الأثر الأبرز للنتائج الانتخابية في هذا الجانب هو توسيع نطاق التحقيقات البرلمانية وجلسات الاستماع ومساءلة كبار المسؤولين في الإدارة، وليس بالضرورة الوصول إلى عزل الرئيس.
وول ستريت تحت ضغط النتائج الانتخابية
امتدت تداعيات النتائج إلى الأسواق المالية الأميركية، حيث تراجعت العقود الآجلة للمؤشرات الرئيسية، وفي مقدمتها مؤشر ناسداك، وسط مخاوف المستثمرين من انعكاسات التحول في موازين القوى داخل الكونغرس على السياسات الاقتصادية والاستثمارية.
وتتركز مخاوف الأسواق حول احتمال تعثر خطط التخفيضات الضريبية وبرامج الإنفاق التي تسعى إدارة ترامب إلى تنفيذها، إضافة إلى احتمالات تشديد الرقابة على الشركات الكبرى، خصوصاً شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تشهد فيه أسهم شركات الذكاء الاصطناعي تقييمات مرتفعة، الأمر الذي يجعل المستثمرين أكثر حساسية لأي تطورات سياسية أو تنظيمية قد تؤثر على توقعات الأرباح والنمو.
كما أن الخلافات المحتملة بشأن الموازنة الفيدرالية وسقف الدين الأميركي قد تزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق، إذا تحولت المواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس إلى صراع طويل حول الإنفاق والإيرادات والضرائب.
في المقابل، يحذر محللون من المبالغة في رد فعل الأسواق تجاه النتائج الانتخابية، معتبرين أن تأثيرها الفعلي سيتوقف على طبيعة السياسات التي ستتبناها الأغلبية الجديدة ومدى قدرتها على إحداث تغييرات تشريعية حقيقية.
ماذا تعني النتائج بالنسبة للدولار؟
تضيف نتائج الانتخابات عاملاً سياسياً جديداً إلى مجموعة العوامل المؤثرة في أداء الدولار الأميركي، الذي يتأثر أساساً بمسار التضخم وقرارات الاحتياطي الفيدرالي وأسعار الفائدة وعوائد سندات الخزانة.
ومن جهة، قد تؤدي زيادة الانقسام السياسي داخل واشنطن إلى ارتفاع حالة عدم اليقين بشأن السياسات المالية والاقتصادية، خصوصاً إذا تصاعدت الخلافات حول الموازنة والعجز والدين العام، وهو ما قد يضغط على ثقة المستثمرين بالأصول الأميركية.
ومن جهة أخرى، فإن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو تشديد السياسة النقدية، ما قد يوفر دعماً للدولار من خلال زيادة جاذبية الأصول المقومة به.
وبالتالي، لن يكون تأثير الانتخابات على العملة الأميركية منفصلاً عن مسار السياسة النقدية. وستكون البيانات الاقتصادية وقرارات الفيدرالي العامل الأكثر مباشرة في تحديد اتجاه الدولار خلال الفترة المقبلة.
هل تتغير السياسة الأميركية تجاه إسرائيل؟
على صعيد العلاقات الأميركية الإسرائيلية، لا تعني نتائج الانتخابات حدوث تغيير فوري في سياسة واشنطن تجاه إسرائيل، إذ يحتفظ الرئيس بصلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية والأمنية.
لكن تعزيز نفوذ الديمقراطيين في الكونغرس قد يرفع مستوى الرقابة البرلمانية على القرارات الأميركية المتعلقة بالشرق الأوسط، ولا سيما الحرب في إيران والمساعدات الأمنية لإسرائيل وصفقات الأسلحة.
ويمتلك الكونغرس أدوات مؤثرة في تحديد الموازنات والمساعدات الخارجية والموافقة على عدد من صفقات التسليح، ما يمنح الأغلبية الجديدة قدرة أكبر على التأثير في بعض جوانب السياسة الأميركية تجاه المنطقة.
ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج بالضرورة تراجع المساعدات الأميركية لإسرائيل، في ظل استمرار وجود تأييد لها لدى أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وإن كانت طبيعة النقاشات والضغوط السياسية داخل الكونغرس مرشحة للتغير.
ماذا ينتظر ترامب خلال العامين المقبلين؟
من المقرر أن يتولى الكونغرس الجديد مهامه في يناير 2027، وحتى ذلك الحين يستمر الكونغرس الحالي في ممارسة صلاحياته.
وسيكون أمام ترامب خياران رئيسيان: السعي إلى التفاهم مع الديمقراطيين للتوصل إلى تسويات بشأن الملفات الاقتصادية والتشريعية، أو الاعتماد بصورة أكبر على الصلاحيات التنفيذية المتاحة للرئيس.
وفي الحالتين، من المتوقع أن تصبح عملية تمرير السياسات الاقتصادية أكثر ارتباطاً بالتوازنات الحزبية داخل الكونغرس، خصوصاً في ملفات الضرائب والإنفاق والموازنة والدين العام.
كما ستبدأ الحسابات السياسية للانتخابات الرئاسية لعام 2028 بالتأثير تدريجياً في مواقف الحزبين، في وقت لا يستطيع فيه ترامب الترشح لولاية رئاسية ثالثة وفقاً للتعديل الثاني والعشرين للدستور الأميركي.