النفط والقوى الكبرى على المحك: كيف يشكل اعتقال مادورو خريطة التحالفات بين واشنطن وموسكو وبكين

بوابة اقتصاد فلسطين
ما اهداف العملية العسكرية الأمريكية من الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.. في هذا التقرير نرصد أهم الأهداف المعلنة وغير المعلنة، وفقا لما نشره موقع "غلوبس" الإسرائيلي وتابعه موقع بوابة اقتصاد فلسطين.
وفقا للصحيفة فان التحرك الأمريكي يأتي في سياق إعادة تشكيل النفوذ العالمي، وتأمين المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لواشنطن، خصوصًا في ظل احتدام الصراع مع الصين وروسيا، وعودة سياسة “أمريكا أولًا” كعنوان مركزي للقرار الأمريكي.
انقلاب أمريكي في عالم لم يعد ثنائي القطب
بين عامي 2020 و2025، شهدت القارة الإفريقية 11 انقلابا عسكريا، تُتهم روسيا بالوقوف خلف عدد منها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. هذه الانقلابات لم تقتصر على دول هامشية، بل شملت دولا محورية مثل مالي، والنيجر المنتجة لليورانيوم، والغابون، أحد موردي النفط لإسرائيل. القاسم المشترك بين هذه الدول هو امتلاكها موارد طبيعية حيوية تخدم المصالح الروسية، وهو ما يفسر حجم الانتقادات الدولية لدوافع تلك الانقلابات.
اليوم، تقوم الولايات المتحدة بخطوة مشابهة في فنزويلا، وإن بصيغة مختلفة. صحيح أن واشنطن سبق أن فعلت ذلك، كما في غزو بنما عام 1989 للإطاحة بـ مانويل نورييغا، حينها بحجة تأمين السيطرة على قناة بنما، لكن العالم في ذلك الوقت كان مختلفا جذريا: عالم ثنائي القطب، تُفسر فيه مثل هذه التدخلات على أنها "حدث مألوف".
أما في عام 2026، فإن أي تحرك أمريكي لفرض وقائع سياسية أو أمنية داخل دول أخرى، يفتح الباب أمام دوامة دولية يصعب التحكم بمساراتها، في عالم متعدد الأقطاب ومتشابك المصالح.
الصين في قلب الحسابات الأمريكية
لم يعد التهديد الرئيسي لواشنطن هو روسيا، بل الصين. فالإدارة الأمريكية ترى في بكين الخطر الاستراتيجي الأكبر على موقعها العالمي. ويبرز ذلك بوضوح في الملف التايواني، حيث لم يصل التهديد الصيني لتايبيه إلى هذا المستوى من الجدية من قبل، مدفوعا بعقيدة "الصين الواحدة" التي يتبناها الرئيس شي جين بينغ.
وتشير معطيات قدمتها يا-بينغ (آبي) لي، رئيسة البعثة الاقتصادية والثقافية التايوانية في إسرائيل، في مقابلة مع صحيفة "غلوبس"، إلى أن أي تصعيد عسكري حول تايوان قد يكلّف الاقتصاد العالمي ما يقارب 10 تريليونات دولار، أي ضعف الخسائر التي سببها وباء كورونا، بسبب الشلل المحتمل في صناعة أشباه الموصلات.
في هذا السياق، يصبح التحرك الأمريكي في فنزويلا رسالة استراتيجية، لا تقل أهمية عن كونها عملية أمنية: الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة لحماية مصالحها الحيوية.
النفط… الدافع غير المُعلن
قد يبرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتقال مادورو باعتباره زعيم عصابة لتجارة المخدرات، وقامعا لشعبه، وحليفا لأعداء الغرب. لكن الحقيقة أن مادورو ليس الأول ولن يكون الأخير الذي يجمع بين هذه الصفات في العالم.
الدافع الأعمق هو اقتصادي بامتياز. ففنزويلا تمتلك واحدًا من أكبر احتياطات النفط في العالم، وهي فرصة مغرية لشركات الطاقة الأمريكية العملاقة.
في أكتوبر 2002، بلغ إنتاج فنزويلا النفطي نحو 2.99 مليون برميل يوميًا. وبحلول يونيو 2020، انهار الإنتاج إلى نحو 337 ألف برميل يوميًا. ورغم تعافيه لاحقًا ليصل إلى قرابة مليون برميل يوميًا، إلا أنه لا يزال منخفضًا جدًا مقارنة بدول كالسعودية، التي يفوق إنتاجها الإنتاج الفنزويلي بأكثر من عشرة أضعاف. وهنا تحديدًا، ترى واشنطن فرصة استراتيجية وتجارية لا يمكن تجاهلها.
التداعيات على إيران وإسرائيل
من منظور إسرائيلي، شكّل سقوط مادورو تطورا بالغ الأهمية. فقد سارع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى تهنئة إدارة ترامب، معتبرا أن إسقاط أقرب حليف لإيران في أمريكا اللاتينية يُعد إنجازا استراتيجيا.
هذا التحول من شأنه أن يعقد عمليات الحرس الثوري الإيراني في القارة، ويحد من تهريب السلاح، ويوقف تجارة النفط غير المشروعة بين كاراكاس وطهران، ويقلص قدرة إيران على استهداف المصالح الإسرائيلية في المنطقة.
لماذا لن يتكرر السيناريو في إيران؟
قد يتمنى البعض أن يكرر ترامب السيناريو ذاته في إيران، لكن هذا الاحتمال يبدو اليوم أضعف من أي وقت مضى. فالمنظومة الأمنية الإيرانية أكثر تعقيدًا وقوة من تلك التي كانت تحمي مادورو. كما أن لدى أجهزة الجمهورية الإسلامية خبرة طويلة في حماية رموز السلطة، وعلى رأسهم المرشد الأعلى، سواء في مواجهة الاحتجاجات الداخلية أو العمليات الخارجية.
إضافة إلى ذلك، فإن الخوف المزمن داخل النظام الإيراني سيدفعه لاستخلاص الدروس من سقوط مادورو، وتشديد إجراءاته الأمنية في طهران.
إنجاز أم بداية فوضى؟
لا شك أن نظام آية الله في إيران لن يدوم إلى الأبد، كما تؤكد الاحتجاجات المتكررة داخل البلاد. لكن سقوطه – كما تشير التجارب التاريخية – لن يأتي عبر تدخل خارجي، بل بفعل ضغط داخلي شعبي، كما حدث في الثورة الإيرانية عام 1979. والدور الوحيد الممكن للخارج هو الدعم السياسي والمعنوي، لا فرض التغيير بالقوة.
في المحصلة، يتحمل ترامب اليوم مسؤولية إسقاط نظام في أمريكا اللاتينية، كما فعل جورج بوش الأب في بنما، وجورج بوش الابن في الشرق الأوسط بعد 11 سبتمبر. وقد علمنا التاريخ أن مثل هذه التدخلات غالبا ما تعيد الأمور إلى نقطة الصفر، أو تخلق فراغات خطيرة، كما حدث في أفغانستان والعراق، حيث استفادت إيران وتنظيم داعش.
لا يمكن تحديد ما إذا كان القبض على مادورو حدثا استراتيجيا إيجابيا أم سلبيا على المستوى الفوري بالنسبة للعالم خصوصا في ظل احتمال أن تستخدم الصين هذا الحدث ذريعة لتبرير غزو تايوان. عندها، ستكون أي مكاسب تحققت في كاراكاس بلا قيمة تُذكر أمام الخسارة الكبرى للعالم الحر.