الرئيسية » آخر الأخبار » ريادة »
 
22 شباط 2026

على حافة البحر… ثلاث طالبات يعِدن كتابة مستقبل غزة بسؤال تخطيطي شجاع

بوابة اقتصاد فلسطين

على ضفاف غزة، حيث يلتقي البحر بحكايات الناس الثقيلة والخفيفة معًا، وقفت ثلاث طالبات يحملن سؤالًا صعبًا، كيف نعيد إعمار مكان لم يكن مجرد أبنية، بل ذاكرة وهوية ومصدر رزق.

في كلية الهندسة المعمارية والتخطيط في جامعة بيرزيت، قررت بوليانا زين، منار عساف، وصباح نجيب أن تتعاملن مع الواجهة البحرية الجنوبية لقطاع غزة كقصة يجب أن تُروى من جديد، لا كمخطط يُرسم على ورق فقط. أشرف الدكتور سالم ذوابة على مشروع حمل عنوان إحياء واجهة غزة البحرية، رحلة من الأمل والمقاومة، وفاز بجائزة تقديرية في مسابقة إعادة إعمار غزة PROG، تقديرًا لعمق معالجته التخطيطية.

المشروع لم يبدأ بالتصميم، بل بالسؤال المنهجي. امتد الشريط المدروس على طول 17 كيلومترًا، من دير البلح مرورًا بخان يونس وصولًا إلى رفح. قسّمت الطالبات هذا الامتداد إلى مربعات منتظمة بمساحة 1 كيلومتر مربع لكل منها. هذا التقسيم لم يكن هندسيًا باردًا، بل أداة تحليل. كل مربع كشف قصة مختلفة، كثافة سكانية هنا، نشاط صيد هناك، إمكانات سياحية في نقطة ثالثة. بعد التحليل، حُددت خمسة مربعات كبؤر استراتيجية للتدخل، تعكس تنوع الوظائف الساحلية بين السكن، السياحة، الاقتصاد المحلي، والذاكرة.

في دير البلح، استثمر التصميم فرق منسوب يصل إلى 12 مترًا بين المدينة والبحر. بدلاً من اعتباره عائقًا، حُوّل إلى فرصة. منحدرات ومسارات مشاة ودراجات ربطت النسيج العمراني بالبحر بانسيابية. في القلب، مسرح مفتوح ومعارض فنية ومركز لتمكين المرأة. الواجهة لم تعد خطًا فاصلًا، بل مساحة لقاء يومي تعيد إنتاج المجال العام.

في خان يونس، قدّم المشروع تصورًا لشريط سياحي يعيد تنشيط الاقتصاد المحلي. منتجعات صغيرة، شاليهات، سوق حرف نسوية، ومرسى بحري يتيح أنشطة ترفيهية منظمة. الفكرة لم تركّز على الاستهلاك، بل على خلق دورة اقتصادية محلية تستند إلى الحرف والهوية المعمارية العربية، بحيث تبقى الثقافة جزءًا من المشهد العمراني لا ديكورًا مضافًا.

في المواصي، تعامل التصميم مع الساحل كمصدر أمن غذائي. إعادة تنظيم الأسواق، تطوير ميناء الصيادين ليصبح أكثر كفاءة وأمانًا، ومساحات لتجارب طعام تعتمد على الصيد المحلي. هنا يتحول البحر إلى سلسلة إنتاج واضحة، من القارب إلى السوق، بما يعزز الدخل المحلي ويقلل الفاقد.

أما رفح، فقد حملت طبقات أكثر تعقيدًا. في أحد المربعات، طُرحت أنماط سكنية متنوعة مع مساحات ترفيهية عامة ترفع جودة الحياة. في مربع آخر، أُعيد تخيّل قرية السويدية المدمرة كمجتمع مترابط يحافظ على الروابط الاجتماعية والذاكرة. وعلى مقربة من الحدود المصرية، اقترحت منطقة سياحية تشمل فنادق ومدينة ألعاب مائية، بما يفتح أفقًا تنمويًا إقليميًا يتجاوز حدود الموقع المباشر.

المشروع لا يعامل البحر كواجهة جميلة، بل كمساحة شفاء. مسارات عامة، فراغات علاجية، مناطق تفاعلية. الشريط الساحلي يتحول من هامش مهمل إلى قلب حضري. إعادة الإعمار هنا فعل ثقافي بقدر ما هو هندسي. التخطيط يصبح أداة لاستعادة السردية، لا مجرد استجابة تقنية للدمار.

هكذا تحولت فكرة تخرج إلى رؤية متكاملة تقول إن إعادة البناء لا تبدأ بالإسمنت، بل بفهم المكان. وعندما يفهم المخطط الذاكرة والاقتصاد والمجتمع معًا، يصبح الساحل أكثر من خط على الخريطة، يصبح وعدًا بإمكانية الحياة من جديد.

 

مواضيع ذات صلة