رجل دافوس.. كيف أعادت نخبة المليارديرات تشكيل الاقتصاد العالمي

بوابة اقتصاد فلسطين
حين يجتمع أصحاب المليارات في منتجع جبلي فاخر لمناقشة مستقبل الاقتصاد العالمي، يبدو المشهد في ظاهره كأنه قمة لإنقاذ العالم. لكن خلف الخطابات عن التعاون والابتكار يطرح كتاب "رجل دافوس.. كيف التهم المليارديرات العالم" سؤالاً مختلفاً. هل أصبحت النخب التي تتحدث عن إصلاح الاقتصاد جزءاً من المشكلة نفسها.
في هذا العمل التحليلي يتتبع الصحفي الاقتصادي في صحيفة "نيويورك تايمز" بيتر إس. غودمان ظاهرة يطلق عليها اسم "رجل دافوس". يشير المصطلح إلى النخبة الاقتصادية العالمية التي تجتمع سنوياً في المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة دافوس السويسرية.
يستخدم غودمان هذا المفهوم لوصف شبكة من أصحاب المليارات وقادة الشركات الكبرى الذين أعادوا تشكيل الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة. ووفق أطروحة الكتاب فقد أدى هذا التحول إلى تضخم ثرواتهم بمعدلات غير مسبوقة، مقابل اتساع الفجوة الاقتصادية بين الأغنياء وبقية المجتمع.
صدر الكتاب عام 2022 ويعتمد على سرد مدعوم بالأمثلة والشخصيات. ويعرض أسماء بارزة في عالم المال والأعمال مثل جيف بيزوس مؤسس أمازون، وجيمي دايمون رئيس بنك جيه بي مورغان، ومارك بينيوف رئيس شركة سيلزفورس، إلى جانب المستثمرين لاري فينك رئيس بلاك روك وستيف شفارتسمان مؤسس بلاكستون.
يرى غودمان أن صعود هذه الشخصيات لا يعكس نجاحات فردية فقط، بل يعبر عن تحول أعمق في طبيعة النظام الاقتصادي العالمي.
صعود الثروة في زمن الأزمات
يتوقف الكتاب عند مفارقة ظهرت بوضوح خلال جائحة كوفيد 19. ففي الوقت الذي فقد فيه ملايين العمال وظائفهم أو انتقلوا إلى أعمال منخفضة الأجر، سجلت ثروات أصحاب المليارات نمواً سريعاً مدفوعاً بارتفاع أسواق الأسهم وتوسع الاقتصاد الرقمي.
يعتبر غودمان أن هذه النتيجة تعكس مسار سياسات اقتصادية ومالية امتد لعقود. ويقول إن تلك السياسات سمحت للنخب الاقتصادية بتعظيم أرباحها وتقليل التزاماتها الضريبية، كما منحتها قدرة أكبر على التأثير في قواعد النظام الاقتصادي نفسه.
شبكة نفوذ عابرة للحدود
يستعير الكتاب مصطلح "رجل دافوس" من عالم السياسة صامويل هنتنغتون. استخدم هنتنغتون المفهوم لوصف نخبة اقتصادية ترى نفسها مواطنة عالمية أكثر من ارتباطها بدولها الأصلية.
يشرح غودمان كيف بنت هذه النخبة ثرواتها عبر أدوات متعددة. تشمل إدارة صناديق استثمار ضخمة، وشراء الأصول العقارية الكبرى، وخصخصة خدمات عامة مثل الرعاية الصحية، إضافة إلى إدارة صناديق التقاعد والجامعات.
لكن المؤلف يرى أن النفوذ الحقيقي لا يرتبط بحجم الثروة فقط، بل بقدرة هذه النخب على التأثير في السياسات العامة عبر جماعات الضغط والتمويل السياسي وصياغة الخطاب الاقتصادي السائد.
صورة الإحسان والواقع الاقتصادي
يلاحظ غودمان أن كثيراً من أصحاب المليارات يقدمون أنفسهم بوصفهم مبتكرين أو فاعلي خير يسعون إلى تحسين المجتمع. وتلعب المؤسسات الخيرية والتبرعات دوراً أساسياً في بناء هذه الصورة.
لكن الكاتب يشير إلى مفارقة واضحة. ففي الوقت الذي تحظى فيه المبادرات الخيرية باهتمام إعلامي واسع، تستفيد شركات كبرى من ثغرات ضريبية وقانونية تقلل مساهمتها في الإيرادات العامة.
ويؤدي هذا الوضع إلى نتيجة مباشرة. تقل الموارد المتاحة للحكومات لتمويل التعليم والصحة والبنية التحتية، بينما تتوسع ثروات النخب الاقتصادية.
مصدران رئيسيان لعدم المساواة
يركز الكتاب على عاملين أساسيين وراء اتساع الفجوة الاقتصادية.
الأول يتمثل في الممارسات الضريبية للشركات متعددة الجنسيات. يشير المؤلف إلى أن الشركات الأمريكية تتجنب دفع عشرات المليارات من الدولارات سنوياً عبر استراتيجيات ضريبية قانونية لكنها مثيرة للجدل.
العامل الثاني يرتبط بضعف تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار. توسعت الشركات العملاقة عبر عمليات استحواذ متتالية وتكامل رأسي، ما جعل دخول المنافسين الجدد إلى الأسواق أكثر صعوبة.
تحالف المال والسياسة
يولي غودمان اهتماماً كبيراً للعلاقة بين رأس المال والسلطة السياسية. فالشركات الكبرى لا تعمل داخل الأسواق فقط، بل تسعى إلى التأثير في القوانين التي تنظمها.
يتحقق ذلك عبر تمويل الحملات الانتخابية أو ممارسة الضغط على الحكومات. وفي المقابل تحصل الشركات على سياسات مواتية مثل تخفيض الضرائب أو تخفيف القيود التنظيمية.
يستشهد المؤلف بأمثلة من الولايات المتحدة، خاصة خلال إدارة دونالد ترامب، حين حصلت الشركات والأثرياء على تخفيضات ضريبية كبيرة بينما ركز الخطاب السياسي على قضايا أخرى مثل الهجرة والتجارة الدولية.
ظاهرة عالمية
لا يقتصر تحليل الكتاب على الولايات المتحدة. يعرض المؤلف حالات من دول ديمقراطية أخرى مثل فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والسويد.
وتظهر في هذه الحالات أنماط متشابهة. نفوذ اقتصادي متزايد للشركات الكبرى، تأثير واضح لرأس المال في السياسات العامة، واتساع في الفجوة الاقتصادية.
ويرى غودمان أن هذه الاتجاهات تسهم في تصاعد التوترات الاجتماعية وصعود الحركات الشعبوية أو السلطوية في بعض البلدان.
الرأسمالية لأصحاب المصلحة
يناقش الكتاب أيضاً مفهوم "الرأسمالية لأصحاب المصلحة". تروج شركات كبرى لهذا المفهوم باعتباره نموذجاً أكثر مسؤولية للرأسمالية.
من أبرز المدافعين عنه مارك بينيوف الذي يدعو إلى دور أكبر للشركات في معالجة قضايا اجتماعية مثل التشرد وعدم المساواة.
لكن غودمان يتعامل مع هذه المبادرات بحذر. ويرى أنها قد تحسن صورة الشركات دون معالجة الأسباب الهيكلية لعدم المساواة.
مسارات الإصلاح
يقترح الكتاب ثلاثة مسارات رئيسية للإصلاح.
-الأول إصلاح الأنظمة الضريبية عبر فرض ضرائب أعلى على الشركات والثروات الكبيرة والأرباح الرأسمالية، مستشهداً بسياسات طبقت في الولايات المتحدة بعد الكساد الكبير خلال عهد الرئيس فرانكلين روزفلت.
-المسار الثاني تشديد تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار لمنع الشركات العملاقة من السيطرة المفرطة على الأسواق، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا.
-المسار الثالث إصلاح نظام تمويل الحملات الانتخابية بهدف تقليل اعتماد السياسيين على التبرعات الكبيرة من الشركات والأثرياء.
قراءة نقدية
رغم الإشادة الواسعة بالكتاب، أشار بعض النقاد إلى ملاحظات نقدية. يرى البعض أن التركيز على شخصيات محددة قد يجعل التحليل يبدو وكأنه يحمّل أفراداً مسؤولية ظواهر اقتصادية بنيوية معقدة.
كما يرى آخرون أن الكتاب لم يمنح وزناً كافياً للعوامل الثقافية والاجتماعية التي تعزز تقديس الثروة والنفوذ في المجتمعات الحديثة.
لا يقدم الكتاب إجابات نهائية لمسألة عدم المساواة العالمية. لكنه يفتح نقاشاً مهماً حول العلاقة بين رأس المال والديمقراطية، وحول حدود القوة التي ينبغي أن تمتلكها الشركات الكبرى داخل الاقتصاد العالمي.