موجة غلاء جديدة تلوح في السوق الفلسطينية… هل ستكون الأقسى على المواطن؟
تتجه الأسواق الفلسطينية نحو موجة غلاء جديدة يُتوقع أن تبدأ آثارها بالظهور خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تحمله من تداعيات مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة والسلع الأساسية.
تشير المعطيات إلى أن جزءا مهما من هذه الموجة مرتبط بالتطورات الإقليمية، حيث أعلنت إسرائيل عن توقعات بارتفاع أسعار زيوت المركبات والإطارات بنحو 10% نتيجة تداعيات الحرب، إلى جانب توقعات بزيادة أسعار المحروقات إلى أكثر من 8 شواقل.
هذه الارتفاعات، وإن كانت تبدأ من الأسواق الإسرائيلية، إلا أنها سرعان ما تنتقل إلى السوق الفلسطينية بحكم الارتباط الاقتصادي القائم (بروتوكول باريس الاقتصادي).
تأثير مباشر على النقل والخدمات
ومن المتوقع أن ينعكس ارتفاع أسعار المحروقات بشكل مباشر على قطاع النقل، حيث قد تبدأ نقابات النقل العام بالمطالبة برفع تعرفة المواصلات، خاصة في حال استمرار الأزمة لفترة أطول.
ويُعد هذا العامل من أبرز القنوات التي تنتقل من خلالها موجات التضخم إلى مختلف القطاعات، نظرا لاعتماد معظم الأنشطة الاقتصادية على النقل.
اضطراب في الاستيراد وارتفاع أسعار السلع
في سياق متصل، أفاد تجار في قطاع الهواتف المحمولة لـ بوابة اقتصاد فلسطين بارتفاع الأسعار مؤخرا، نتيجة تعطل عمليات الاستيراد وصعوبة إدخال البضائع في ظل الظروف الراهنة، ما أدى إلى تراجع المعروض وارتفاع التكلفة.
كما شهدت أسعار الخضروات ارتفاعا ملحوظا في السوق المحلية، بفعل عوامل مركبة تشمل الأحوال الجوية، واستمرار تهريب المنتجات إلى السوق الاسرائيلية، ما ساهم في انخفاض الكميات المتاحة محليا.
تراكم تاريخي للغلاء وتآكل في الدخل
تأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه المواطن الفلسطيني أصلًا من ضغوط معيشية متراكمة. فبحسب البيانات، ارتفعت تكاليف المعيشة في فلسطين مؤخرا بسبب الحرب على غزة بنسبة تقارب 284% خلال الفترة من 1996 إلى 2025، وبنحو 172% منذ عام 2004.
وفي المقابل، تشير التقديرات إلى أن نسبة التآكل في الدخل الحقيقي بلغت نحو 147% منذ عام 2008، نتيجة الارتفاعات المتتالية في الأسعار.
ويُضاف إلى ذلك توقف صرف علاوة غلاء المعيشة للموظفين العموميين منذ عام 2014، ما يعني فقدان ما لا يقل عن 18% من القدرة الشرائية المرتبطة بهذه العلاوة، دون احتساب الارتفاعات الأخيرة المرتبطة بالحرب على غزة.
اقتصاد منهك: بطالة مرتفعة وفقر متفاقم
تأتي هذه الموجة في وقت يعاني فيه الاقتصاد الفلسطيني أصلًا من أوضاع شديدة الهشاشة، إذ تشير البيانات إلى أن معدل البطالة بلغ نحو 46% خلال عام 2025، بواقع 28% في الضفة الغربية و78% في قطاع غزة . كما أن ما يقارب نصف القوى العاملة بات خارج سوق العمل.
وعلى صعيد الفقر، فقد تجاوزت النسب مستويات خطيرة، حيث كانت تفوق 63% قبل الحرب الأخيرة، في حين تشير التقديرات إلى انزلاق شرائح واسعة نحو مستويات أشد قسوة تصل إلى انعدام الأمن الغذائي.
تراجع فرص العمل في الداخل المحتل
كما تأثر سوق العمل بشكل كبير نتيجة القيود المفروضة، حيث تراجع عدد العمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل والمستوطنات إلى نحو 51 ألف عامل فقط خلال نهاية عام 2025 ، مقارنة بمستويات أعلى بكثير قبل الحرب، ما حرم آلاف الأسر من مصدر دخل أساسي.
رواتب منقوصة وتآكل مستمر في الدخل
وفي السياق ذاته، يواجه الموظفون العموميون أزمة مستمرة، إذ يتم صرف رواتبهم بشكل جزئي ويُضاف ذلك إلى التآكل المستمر في القدرة الشرائية، في ظل توقف صرف علاوة غلاء المعيشة منذ عام 2014، وارتفاع الأسعار التراكمي خلال السنوات الماضية.
موجة غلاء في بيئة ضعيفة
في ظل هذه المعطيات، تبدو موجة الغلاء المرتقبة أكثر خطورة من سابقاتها، كونها تضرب اقتصادا يعاني أصلا من ركود عميق، وارتفاع البطالة، وتراجع الدخول. ما يعني أن أي ارتفاع جديد في الأسعار لن يكون مجرد عبء إضافي، بل عاملا قد يدفع بمزيد من الأسر نحو حافة الفقر.
لأرقام التي نقرأها ليست مجرد نسب مئوية، بل تعكس حياة يومية مليئة بالتحديات، حيث تتأثر القدرة الشرائية للمواطن، وكرامته، وأمانه الاقتصادي بشكل مباشر. وقد تناول فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي في أعماله الإنسانية والفلسفية أثر الفقر على الإنسان، مشيرًا إلى أن الفقر ليس مجرد نقص في المال أو الأشياء، بل يمتد ليؤثر على مكانة الفرد في المجتمع، واحترامه لذاته، وإحساسه بالكرامة.
وبالتالي، فإن كل ارتفاع جديد في الأسعار لا يزيد فقط من النفقات المالية، بل يُضعف أيضًا القدرة على العيش بكرامة واستقرار نفسي واجتماعي، ويزيد من شعور الحرمان والضغوط اليومية على الأسر الفلسطينية، خصوصًا في ظل الأزمات الاقتصادية المتراكمة.