أين يختفي أثر تراجع الدولار؟ ولماذا لا يشعر به المستهلك؟

بوابة اقتصاد فلسطين
تتواصل في إسرائيل موجة ارتفاع الأسعار خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وسط تفسيرات متعددة ربطتها بعوامل خارجية مثل اضطراب خطوط الشحن وارتفاع أسعار السلع والأجور، والحرب المتواصلة، وأخيرًا أسعار النفط. غير أن اللافت، أن الأسعار لا تنخفض حتى في الفترات التي يفترض أن تدفع نحو تراجعها.
وبحسب ما أفادت صحيفة "ذي ماركر"، فإن التبريرات التي قدمها المستوردون لعدم خفض الأسعار تكررت، إذ أشاروا إلى شراء السلع بعقود مستقبلية مرتفعة، أو إلى استخدام أدوات "تحوط" للعملات، ما حال دون انعكاس تراجع الدولار على الأسعار. إلا أن هذه التفسيرات استمرت حتى بعد فترة طويلة من ضعف الدولار، فيما لم تنخفض أسعار السلع القابلة للاستيراد، بل سجلت ارتفاعًا طفيفًا.
ويمثل مؤشر السلع القابلة للتداول نحو 35% من مؤشر أسعار المستهلك الذي تصدره دائرة الإحصاء المركزية شهريًا، ويشمل إلى جانب المواد الغذائية سلعًا شهدت انخفاضًا ملحوظًا مثل الملابس والأجهزة الكهربائية. ورغم ذلك، بقي المؤشر مرتفعًا خلال العام الأخير، حتى بعد تعزيز قيمة الشيكل، ما يشير إلى فجوة بين حركة سعر الصرف ومستوى الأسعار.
ووفق تحليل أعده كبير الاقتصاديين في "لوبي 99" (مجموعة ضغط نقدية تجاه المنظومة الاقتصادية)، موشيه كاشي، فإن هذه الفجوة بدأت تتبلور منذ تموز/ يوليو 2024، حيث قال: "مؤشر الأسعار القابلة للتداول يجب أن يتأثر بسعر الدولار، وفي سوق حرة كنا سنرى انتقال هذا التأثير إلى الأسعار"، مضيفًا: "نلاحظ الآن صلابة باتجاه واحد؛ عندما ارتفع الدولار ارتفعت الأسعار، لكن عندما انخفض لم نشهد تراجعًا، رغم انخفاض بنسبة 16% كان يفترض أن ينعكس على الأسعار".
"الصواريخ والريش"
ولا يُعد هذا الانفصال مطلقًا، إذ تتأثر الأسعار بعوامل إضافية، من بينها تنوع سلة التجارة الإسرائيلية، حيث تُسعّر بعض السلع المستوردة بعملات أخرى مثل اليورو، الذي تراجع أيضًا أمام الشيكل ولكن بوتيرة أقل من الدولار. كما أسهمت الحرب على إيران في رفع أسعار النفط، ما عوّض جزئيًا أثر انخفاض الدولار.
وتندرج هذه الظاهرة ضمن ما يُعرف اقتصاديًا بـ"الصواريخ والريش"، حيث ترتفع الأسعار بسرعة لكنها تنخفض ببطء، وهو ما يرتبط بدرجة تركّز السوق ومستوى المنافسة فيه. وفي السوق الإسرائيلية التي توصف بكونها مركزة، تبدو وتيرة انخفاض الأسعار أبطأ بكثير مقارنة بارتفاعها.
وأشار كاشي إلى أن أسعار المواد الغذائية بقيت مستقرة نسبيًا حتى عام 2019، مع انعكاس واضح لتراجع الدولار آنذاك، إلا أن التحول بدأ في 2021 مع ارتفاع سعر الصرف والتطورات السياسية ولاحقا، الحرب، التي رفعت تكاليف النقل وأدت إلى قفزة في الأسعار. وأضاف: "كلما كان السوق أكثر تركّزًا وأقل تنافسية، زادت صلابة الأسعار"، مشيرًا إلى أن رفع الأسعار من قبل جهة واحدة يدفع بقية السوق إلى اتباعها، ما يغذي التضخم.
ورغم قوة الشيكل، التي يُفترض أن تعزز القدرة الشرائية، إلا أن ذلك لم ينعكس فعليًا على المستهلكين. وقال كاشي: "كان من المفترض أن يكون تراجع الدولار بمثابة مكافأة للمستهلك، لكنه لا يشعر بذلك فعليًا، إذ إن القدرة الشرائية لا تتحسن رغم هذه المعطيات".
"سلسلة التوريد تزيد هامش أرباحها"
وفي السياق ذاته، تشير التقديرات إلى أن تأثير تغيرات أسعار الصرف والسلع يحتاج نحو ستة أشهر للانعكاس على الأسعار. ورغم أن بنك إسرائيل أشار في تقريره لعام 2025 إلى أن ضعف الدولار يساهم في كبح التضخم، فإن هذا التأثير لم يصل بعد إلى المستهلك النهائي، الذي لا يلحظ انخفاضًا فعليًا في الأسعار.
من جانبه، قال كبير الاقتصاديين في "ليدر شوكي هون"، يوناتان كاتس، إن وتيرة ارتفاع الأسعار تباطأت لكنها لم تتحول إلى انخفاض، موضحًا أن "الجمود في الأسعار يعكس تأثير تعزيز الشيكل"، وأضاف: "نرى ظاهرة مشابهة في أسعار الإنتاج المحلية التي انخفضت قليلًا، لكن السؤال هو لماذا لا تصل هذه التغييرات إلى المستهلك".
وتابع كاتس: "يبدو أن هناك جهات في سلسلة التوريد تزيد من هوامش أرباحها، سواء شبكات التسويق أو المتاجر، إلى جانب ارتفاع تكاليف الأجور، ما يوفر دائمًا مبررات لعدم خفض الأسعار"، مشيرًا إلى أن تراجع سلة العملات بنحو 13% كان يفترض أن يقود إلى انخفاض ملموس في الأسعار.
كما لفت إلى أن الطلب المرتفع يشكل عاملًا إضافيًا يمنع تراجع الأسعار، إذ إن الاستهلاك الخاص ظل قويًا خلال الحرب وبعدها، في ظل تراجع السفر إلى الخارج، ما أبقى الطلب مرتفعًا وأضعف الضغوط على الشركات لخفض الأسعار.