من مثلث الثقة والصمود... إلى بلديات الجهوزية والصمود

في مقالي السابق "مثلث الثقة والصمود"، أكدت أن قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود لا تقوم على المواطن وحده، ولا على الحكومة وحدها، ولا على البلدية وحدها، بل على علاقة ثقة وشراكة بين الأطراف الثلاثة. واليوم، ومع تصاعد الأزمات التي تواجه التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية، تبرز قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي: كيف يمكن ترجمة هذه الثقة إلى استعداد عملي وقدرة مؤسسية على إدارة الأزمات؟
لقد أصبحت خطط الطوارئ بالنسبة للبلديات الفلسطينية ضرورة وطنية وليست مجرد إجراء إداري. ففي معظم دول العالم تُعد خطط الطوارئ لمواجهة الزلازل أو الفيضانات أو الحرائق أو الأوبئة، أما في الضفة الغربية، فإن البلديات تواجه واقعاً أكثر تعقيداً، حيث تتداخل الكوارث الطبيعية مع تحديات سياسية وأمنية استثنائية، تشمل الاعتداءات المسلحة من قبل المستوطنين، واقتحامات الجيش الإسرائيلي، وهدم المنازل والمنشآت، ومصادرة الأراضي، وإغلاق الطرق، وتهجير السكان، والاعتداء على المزارعين، وسرقة المواشي والممتلكات، وما يرافق ذلك من تعطيل للحياة الاقتصادية والاجتماعية والخدمات الأساسية. هذا كله بالإضافة لإغلاق القرى والمدن بالحواجز العسكرية والبوابات الحديدة ومعاملتها كسجن أو كسجون وكانتونات منفصلة.
هذا الواقع يفرض إعادة تعريف مفهوم "الطوارئ" في فلسطين. فالحدث الطارئ لم يعد استثناءً يقع مرة كل عدة سنوات، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية في العديد من القرى والبلدات، الأمر الذي يتطلب الانتقال من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة الاستعداد والجاهزية المؤسسية.
ويؤكد الدليل الوطني لإدارة المخاطر المحلية (2025) أن البلدية هي الجهة الأولى المسؤولة عن إدارة الطوارئ داخل نطاقها الجغرافي، وأن دورها لا يقتصر على التدخل بعد وقوع الأزمة، وإنما يبدأ بالتخطيط المسبق، ورفع الجاهزية، وضمان استمرارية الخدمات، والتنسيق مع مختلف المؤسسات الرسمية والأهلية ضمن إطار وطني متكامل. كما يركز الدليل على أربع مراحل مترابطة لإدارة الطوارئ: الاستعداد، والاستجابة، والتعافي، والتخفيف، باعتبارها دورة مستمرة وليست إجراءات منفصلة. ولعل من أهم ما يميز هذا الدليل أنه يصنف المخاطر المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي باعتبارها إحدى فئات المخاطر التي يجب أن تستعد لها البلديات، بما في ذلك مصادرة الأراضي، وإغلاق الطرق، وهدم البنية التحتية، وغيرها من الإجراءات التي تؤثر مباشرة في حياة المواطنين واستمرارية الخدمات.
غير أن السؤال الأهم يبقى: هل تستطيع البلدية وحدها مواجهة هذه التحديات؟ الإجابة بكل وضوح هي: لا.
فالبلدية، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع العمل بمعزل عن المجتمع المحلي والمؤسسات العاملة ضمن نطاقها الجغرافي. لذلك فإن نجاح أي خطة طوارئ يعتمد على بناء شبكة شراكات حقيقية تضم المحافظات، ووزارة الحكم المحلي، والدفاع المدني، والهلال الأحمر الفلسطيني، والقطاع الصحي، والمؤسسات التعليمية، ولجان الأحياء، والجمعيات الأهلية، والقطاع الخاص، والمتطوعين، ووسائل الإعلام المحلية، بحيث يصبح لكل طرف دور محدد قبل الأزمة وأثناءها وبعدها.
إن التحضير للطوارئ لا يبدأ عندما تقع الأزمة، وإنما قبل ذلك بوقت طويل. فهو يبدأ بإعداد قواعد بيانات دقيقة للفئات الأكثر عرضة للمخاطر، مثل كبار السن، وذوي الإعاقة، والمرضى المزمنين، والأسر التي تعيش في المناطق الأكثر تعرضاً للاعتداءات أو الإغلاقات. كما يشمل حصر الآليات والمعدات، وتحديد مواقع الإيواء المؤقت، وتوثيق مقدمي الخدمات المحليين، وإعداد خرائط للبنية التحتية الحيوية، وبناء قنوات اتصال فعالة مع المواطنين. وتوصي الأدلة الوطنية أيضاً بتدريب الكوادر البلدية والمتطوعين، وإجراء تمارين محاكاة دورية، وإشراك المجتمع المحلي في برامج الجاهزية.
ومن المهم أيضاً أن تمتلك كل بلدية غرفة عمليات تعمل وفق نظام واضح للقيادة والسيطرة، بحيث تكون قادرة على جمع المعلومات بسرعة، وتقييم الأضرار، واتخاذ القرار، وتوزيع المهام، والتواصل مع المواطنين، والتنسيق مع الجهات الشريكة. فالوقت في الأزمات عنصر حاسم، وتأخير القرار قد يضاعف الخسائر.
وفي هذا السياق، تقدم الخطة الاسترشادية لإدارة الطوارئ نموذجاً عملياً يركز على تشكيل خلية لإدارة الأزمات داخل البلدية، وتحديد المسؤوليات، وإنشاء منظومة اتصال وإعلام موحدة، وخطط استجابة خاصة بالأزمات الأمنية والاقتحامات، إلى جانب خطط لاستمرار خدمات المياه والكهرباء والنظافة والطرق، بما يعزز قدرة البلدية على العمل حتى في أصعب الظروف.
ولا يقتصر دور البلدية على تقديم الخدمات فقط، بل يمتد إلى تعزيز التماسك المجتمعي. ففي أوقات الأزمات يحتاج المواطن إلى مصدر موثوق للمعلومة، وإلى مؤسسة قادرة على التنسيق، وإلى جهة تشعره بأن هناك من يقف إلى جانبه. لذلك فإن التواصل المستمر مع المواطنين، والشفافية في نشر المعلومات، والاستجابة السريعة للشكاوى، جميعها عناصر تعزز الثقة، وتحد من الشائعات، وتزيد من قدرة المجتمع على الصمود.
ومن التجارب الدولية في إدارة الكوارث يتضح أن المجتمعات الأكثر قدرة على التعافي ليست بالضرورة الأغنى أو الأكثر امتلاكاً للمعدات، وإنما تلك التي تتمتع بمؤسسات محلية قوية، وشبكات تعاون واسعة، وثقة متبادلة بين السكان والسلطات المحلية. كما تؤكد الأدلة الإنسانية الحديثة الخاصة بالضفة الغربية أن الاستعداد المسبق والتنسيق المحلي يقللان من آثار النزوح، ويحافظان على استمرارية الخدمات الأساسية في الظروف المعقدة.
لكن بناء منظومة طوارئ فعالة يتطلب أيضاً توفير الموارد المالية. فلا يمكن مطالبة البلديات بالاستعداد دون تخصيص موازنات للطوارئ، أو إنشاء صناديق استجابة سريعة، أو تطوير آليات للتعاون والتكافل بين البلديات، بحيث تستطيع الهيئات المحلية الأكثر قدرة دعم البلديات التي تتعرض لضغوط أكبر. كما أن دعم المانحين ينبغي ألا يقتصر على إعادة الإعمار بعد وقوع الأضرار، بل يجب أن يشمل الاستثمار في الجاهزية، والتدريب، والمعدات، والأنظمة الرقمية، وبناء القدرات المؤسسية.
إن الاستثمار في الوقاية أقل كلفة بكثير من معالجة آثار الكوارث بعد وقوعها، سواء من الناحية المالية أو الإنسانية.
وفي ظل استمرار التحديات التي تواجه التجمعات الفلسطينية، تصبح خطط الطوارئ جزءاً من استراتيجية الصمود الوطني. فالبلدية لم تعد مجرد مؤسسة تقدم المياه أو تجمع النفايات أو تعبّد الطرق، بل أصبحت مؤسسة تقود المجتمع المحلي في مواجهة الأزمات، وتحافظ على استمرارية الحياة، وتنسق بين مختلف الفاعلين المحليين، وتسهم في حماية النسيج الاجتماعي.
ومن هنا، فإن نجاح البلديات الفلسطينية في المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بعدد المشاريع التي تنفذها، بل أيضاً بقدرتها على حماية الإنسان الفلسطيني عندما تتعرض بلدته للخطر، وبسرعة استعادة الخدمات، وبفاعلية التنسيق بين المؤسسات، وبمدى جاهزية المجتمع لمواجهة الأزمات.
لقد تحدثنا سابقاً عن مثلث الثقة والصمود الذي يجمع المواطن والبلدية والحكومة. واليوم يمكننا إضافة ضلع عملي لهذا المفهوم، هو الجاهزية. فالثقة تمنح المجتمع التماسك، والصمود يمنحه القدرة على الاستمرار، أما الجاهزية فهي التي تحول هذين المفهومين إلى إجراءات عملية تنقذ الأرواح، وتحافظ على الخدمات، وتعزز قدرة المجتمع الفلسطيني على البقاء والتعافي، مهما اشتدت التحديات.