الرئيسية » أقلام اقتصادية » آخر الأخبار »
 
13 أيلول 2026

حين يختار الذكاء الاصطناعي عنك... لمن ستبيع الشركات؟

بقلم: د. عبد الفتاح دمج
أكاديمي وباحث في التسويق والتجارة الإلكترونية

بوابة اقتصاد فلسطين

لسنوات طويلة، انشغل أصحاب الشركات بسؤال واحد: كيف نصل إلى المستهلك؟

بدأ الأمر بدفع الأموال للإعلانات، ثم التنافس على الظهور في محركات البحث، وصولاً خلال العقد الأخير إلى المنافسة على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك وغيرها.

لكن سؤالاً جديداً بدأ يفرض نفسه: ماذا لو لم يعد المستهلك يبحث وحده أصلاً؟ وماذا لو أصبح يسأل الذكاء الاصطناعي أولاً عما ينبغي أن يشتريه؟

لنتخيل مستهلكاً فلسطينياً يريد شراء هاتف جديد. في السابق، ربما كان يسأل صاحب محل أو صديقاً لديه خبرة، ثم يبحث في جوجل، ويتابع صفحات المتاجر، ويقارن الأسعار والمواصفات.

أما اليوم، فيستطيع أن يسأل إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي: "ميزانيتي 2000 شيكل، أريد هاتفاً ببطارية قوية وكاميرا جيدة ويخدمني لثلاث سنوات، ماذا تقترح؟"

خلال ثوانٍ، قد يحصل على عدد محدود من الخيارات، وجدول يقارن المواصفات والمزايا والعيوب، وربما يصل إلى المتجر وقد حسم جزءاً كبيراً من اختياره واستبعد عشرات البدائل.

وهذا التحول لم يعد مجرد توقع للمستقبل. فقد أظهرت بيانات حديثة نشرتها NielsenIQ أن 42% من المستهلكين في الولايات المتحدة استخدموا أداة واحدة على الأقل من أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في التسوق خلال الشهر السابق. وأظهرت البيانات أن الذكاء الاصطناعي بدأ يؤثر في اكتشاف المنتجات ومقارنتها وتضييق نطاق الخيارات قبل الشراء.

لكن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني أن المستهلك مستعد لتسليمه قرار الشراء بالكامل. فقد وجدت Gartner أن المستهلكين أكثر تقبلاً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث عن المنتجات ومقارنتها وتضييق الخيارات، بينما يظل تفويض قرار الشراء النهائي أكثر محدودية. وفي استطلاع أجرته الشركة في يناير/كانون الثاني 2026، بلغت نسبة المستهلكين المستعدين للسماح للذكاء الاصطناعي باتخاذ قرارات الشراء 11% فقط حتى في بعض الفئات منخفضة المخاطر.

وهذا التفريق مهم؛ فالذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى أن يشتري نيابة عنا حتى يؤثر في السوق. يكفي أن يؤثر في المنتجات والعلامات التجارية التي تدخل قائمة خياراتنا من البداية.

هل يعرف الذكاء الاصطناعي مشروعك؟

هنا تبدأ القضية بالنسبة إلى السوق الفلسطيني.

لدينا آلاف المشروعات الصغيرة والمتاجر والمطاعم وأصحاب المهن الذين يعتمد حضورهم الرقمي بدرجة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وإنستغرام وواتساب. قد يمتلك متجر آلاف المتابعين، لكن لا توجد له مساحة رقمية واضحة تعرض منتجاته وأسعاره ومواصفاته.

وقد يكون مطعم معروفاً، لكن قائمة الطعام المتاحة على الإنترنت قديمة وغير محدثة. وقد يقدم صاحب عمل فلسطيني خدمة ممتازة، لكن أعماله وخبراته موزعة بين منشورات وحسابات يصعب الوصول إليها.

هذا النموذج نجح لسنوات؛ لأن الزبون اعتاد أن يرسل رسالة قصيرة: "بكم؟"، "وين موقعكم؟"، "هل متوفر؟"

لكن ماذا لو بدأ هذا الزبون يسأل الذكاء الاصطناعي قبل أن يرسل الرسالة؟

ماذا لو سأله عن أفضل مطعم عائلي في مدينته، أو أفضل هاتف ضمن ميزانية معينة، أو شركة تقدم خدمة يحتاج إليها؟

هنا لن يكون السؤال فقط: هل مشروعك جيد؟ بل أيضاً: هل توجد عنه معلومات رقمية واضحة ومحدثة يمكن العثور عليها وفهمها؟

وقد تظهر هنا مفارقة تستحق الانتباه: أن تتطور طريقة بحث المستهلك الفلسطيني واختياره، بينما يبقى المشروع الذي يبحث عنه متأخراً في حضوره الرقمي.

والتحدي يأتي في سوق لم يكتمل تحوله الرقمي بعد. فوفق تقرير فني ومالي نشره معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" في 2026، ما تزال 94% من المعاملات اليومية في فلسطين تتم نقداً، بينما لا تقبل نحو 85% من المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة المدفوعات الإلكترونية.

وهذا يعني أن فلسطين قد تواجه تحولين في الوقت نفسه: استكمال الانتقال إلى التجارة والدفع الرقمي من جهة، والاستعداد لمرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءاً من البحث والمقارنة والاختيار من جهة أخرى.

ماذا يعني ذلك لصاحب المشروع الفلسطيني؟

الاستعداد لهذا التحول لا يعني أن يتحول صاحب المشروع إلى خبير في الذكاء الاصطناعي، أو أن يستثمر في أنظمة تقنية باهظة.

بالنسبة إلى معظم المشروعات الفلسطينية الصغيرة، البداية أبسط من ذلك بكثير: اجعل مشروعك حاضراً ومفهوماً رقمياً.

إذا كنت تملك مطعماً، فلتكن قائمة الطعام وموقعك وساعات العمل وطرق التواصل واضحة ومحدثة.

وإذا كنت تبيع الأجهزة، فلا تكتفِ بصورة الهاتف وسعره، بل اكتب مواصفاته، ولمن يناسب، وما الفرق بينه وبين البدائل.

وإذا كنت مصمماً أو مهندساً أو مستشاراً أو تعمل بشكل مستقل، فاجعل لديك مساحة رقمية واضحة تشرح تخصصك وخبرتك وأعمالك وكيف يمكن الوصول إليك.

فالوجود الرقمي لم يعد مجرد صور ومنشورات وإعلانات ممولة، بل أصبح أصلاً رقمياً يساعد المستهلك ومحركات البحث وأدوات الذكاء الاصطناعي على فهم مشروعك وما يقدمه والعثور عليه.

وهذا يتطلب أيضاً إعادة التفكير في طبيعة المحتوى الذي تنشره المشروعات. فالمحتوى الرقمي لا ينبغي أن يقتصر على عرض المنتج والترويج له، بل يمكن أن يقدم معلومات واضحة تساعد المستهلك على فهم الخيارات والمقارنة بينها واتخاذ قرار أكثر وعياً.

وكلما كان هذا المحتوى منظماً ومفيداً ومحدثاً، أصبح الحضور الرقمي للمشروع أكثر قيمة للمستهلك وأكثر قابلية للاكتشاف والفهم عبر أدوات البحث والذكاء الاصطناعي.

فالمحتوى المفيد لا ينتهي أثره بانتهاء ميزانية الإعلان، بل يمكن أن يبني للمشروع حضوراً رقمياً تتراكم قيمته مع الوقت.

الذكاء الاصطناعي ليس للزبون وحده!

لكن الاستعداد لا يقتصر على جعل مشروعك قابلاً للاكتشاف عبر الأدوات الذكية، فالفرصة الأخرى هي استخدام هذه الأدوات داخل العمل.

صاحب مشروع صغير لا يستطيع تحمل تكلفة فريق تسويق كامل يمكنه الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في توليد أفكار للمحتوى، وتحسين وصف المنتجات، وتنظيم الأسئلة المتكررة للعملاء، وتحليل الملاحظات والتقييمات، وإعداد مسودات للحملات التسويقية، أو مقارنة البدائل قبل اتخاذ بعض القرارات.

ومن يعمل بشكل مستقل يستطيع استخدامه في تنظيم عمله، والبحث الأولي، وإعداد المقترحات، وتحسين الطريقة التي يعرض بها خدماته.

وحتى المشروع التقليدي يستطيع أن يبدأ بسؤال بسيط: ما المهمة المتكررة التي تستنزف وقتي يومياً؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدني على إنجاز جزء منها بصورة أسرع؟

وهنا ربما تكمن إحدى أهم الفرص للمشروعات الفلسطينية الصغيرة: أن يمنح الذكاء الاصطناعي المشروعات محدودة الموارد بعض القدرات التي كان الحصول عليها سابقاً يحتاج إلى وقت أطول أو موظفين إضافيين أو ميزانية أكبر.

لكن الاستخدام الذكي لا يعني تسليم العمل كله للذكاء الاصطناعي. فبيانات العملاء والمعلومات التجارية الحساسة تحتاج إلى حماية، والمخرجات تحتاج إلى مراجعة، والقرارات المهمة تحتاج إلى حكم بشري.

الذكاء الاصطناعي أداة لزيادة قدرة الإنسان، وليس بديلاً عن خبرته ومسؤوليته.

جرّب هذا اليوم

إذا كنت صاحب مشروع، قم بتجربة بسيطة.

افتح إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي واسأله كما قد يسأله أحد زبائنك المحتملين. فإذا كنت تملك مطعماً مثلاً، اسأله عن مطاعم مناسبة في مدينتك. وإذا كنت تقدم خدمة معينة، فاطلب منه اقتراح جهات تقدم هذه الخدمة.

هل ظهر اسم مشروعك؟ وهل المعلومات عنه صحيحة؟ وهل يستطيع من يبحث أن يعرف ماذا تقدم، وأين تعمل، وكيف يمكنه التواصل معك؟

وإذا لم يظهر مشروعك، فلا تبدأ بالسؤال: "كيف أجعل الذكاء الاصطناعي يذكرني؟"

فلا توجد وصفة تضمن ذلك.

ابدأ بالسؤال الأهم: هل بنيت أصلاً حضوراً رقمياً واضحاً وموثوقاً ومحدثاً يستحق أن يُعثر عليه؟

بطبيعة الحال، لن تختفي المحال الفلسطينية، ولن يتوقف الناس عن سؤال أصدقائهم، ولن تختفي جوجل أو فيسبوك غداً.

لكن طرفاً جديداً دخل بالفعل إلى رحلة الشراء، وأصبح يساعد المستهلك على البحث والمقارنة وتقليص الخيارات.

وهذا يعني أن المشروع قد لا يخسر أمام منافسه لأن إعلانه أقل جمالاً أو لأن سعره أعلى؛ قد يخسر قبل أن تبدأ المنافسة أصلاً، لأنه لم يدخل من البداية ضمن الخيارات التي يفكر فيها المستهلك.

لسنوات، كان السؤال: كيف أصل إلى المستهلك؟

أما اليوم، فعلينا أن نضيف إليه سؤالاً آخر:

كيف أضمن أن يجدني الذكاء الاصطناعي عندما يبحث المستهلك عن شيء أقدمه؟

لأن المنافسة الجديدة قد تبدأ قبل أن يدخل الزبون إلى متجرك، وقبل أن يشاهد إعلانك على هاتفه، عندما يسأل ببساطة:

"ماذا تنصحني أن أختار؟"

 

 

كلمات مفتاحية::
هل تتفق مع ما جاء في هذا المقال؟